19 سنة على اغتيال الرئيس معوض والحقيقة المعروفة لم تعلن!
لا سوريا انسحبت ولا عون أخلى القصر… فكانت الجريمة
من اغتال الرئيس رينه معوض، ولماذا لم يكشف التحقيق الحقيقة المعروفة، هذا اذا كان قد جرى تحقيق؟
هذا السؤال يطرح كل سنة عند احياء ذكرى اغتيال معوض وهي الذكرى 19 التي تصادف غدا السبت.
قال عضو الامانة العامة لقوى14 آذار ميشال معوض نجل الرئيس الشهيد في مؤتمر صحافي عقده الشهر الفائت في اهدن: "ان من قتل رينه معوض هو النظام السوري، وهذا اقتناع راسخ لدينا وعند جميع اللبنانيين، لكن بقدر ما نحن مقتنعون بأن النظام السوري هو الذي قتل رينه معوض، من الواضح ان العماد ميشال عون يتحمل مسؤولية اكيدة في هذا الاغتيال" وتساءل: "هل من داع لتذكير عون بأنه اتهم شخصيا الرئيس معوض بالعمالة وهو الذي قال: "غدا ستنتخبون رئيسا عميلا، واتهمه بالخيانة ونظم تظاهرات بشعار "يا رينه يا عكروت عالشرقية ما بتفوت"… وهل من لزوم لتذكيره بأنه لو فتحت لرينه معوض ابواب قصر بعبدا لما كان اغتيل بهذه السهولة في وقت كان موجودا في مقر موقت وغير محمي فيه. فشكل ذلك غطاء معنويا لهذا الاغتيال وسهله لوجستيا، وهل من لزوم لتذكيره بأني تعرضت شخصيا للتهديد المباشر بالقتل في باريس من عونيين مما اجبر الدولة الفرنسية على حمايتي وان ضباطه فتحوا قنينة شمبانيا بعد الاغتيال في اوتيل كومفورت حينها!".
اما زوجة الرئيس الشهيد النائبة نايلة معوض، فلم تتهم العماد ميشال عون بالاغتيال، بل حمّلته مسؤولية الاغتيال بالقول: ان رينه معوض هو شهيد الطائف ومن حاول عرقلة مسيرة اتفاق الطائف يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا الاغتيال، ولا فارق اذا كانت هذه المسؤولية مسؤولية جنائية او مسؤولية سياسية". وأضافت: "ان رينه معوض هو ضحية محاولة تطبيق لبناني لاتفاق الطائف وعدم تحويله الى طائف سوري اي "سورنة الطائف" اضافة الى مواجهة الجبهة الرافضة للطائف آنذاك اي ايران وحليفها "حزب الله" وكذلك المحور العراقي – الفلسطيني".
وبحسب النائبة نائلة معوض ان زوجها "دفع ثمن مزايدات ميشال عون وحملات التشهير والتحريض والتخوين والاتهامات بالعمالة التي كان يطلقها، فلو بقي الرئيس معوض حيا لكنا وفرنا على المسيحيين الانقسامات والدماء والدمار ولما كان ضعف موقع رئاسة الجمهورية في المعادلة السياسية الوطنية اضافة الى "حرب الالغاء" التي دمرت المنطقة المسيحية بحجة "توحيد البندقية تحت سقف الشرعية" وهي انقسامات ما زال المسيحيون يدفعون ثمنها الى اليوم. فلماذا لم يوقع العماد عون يومئذ ورقة تفاهم مع "القوات اللبنانية" كما فعل مع "حزب الله" واعتبر بندقية "القوات" شرعية كما اعتبر بندقية "حزب الله" شرعية لتجنيب المسيحيين ويلات تلك الحرب؟
الواقع، ان حملة التحريض والتخوين ضد الرئيس الشهيد رينه معوض تمت في وقت كان يخوض فيها محادثات دقيقة ومعقدة مع النظام السوري من اجل تطبيق لبناني لاتفاق الطائف وقد عقد لهذه الغاية اجتماعا مطولا في اهدن مع ممثل النظام السوري حينذاك عبد الحليم خدام، وقد طلب الرئيس معوض في ذاك الاجتماع انسحاب القوات السورية من الاقضية المسيحية في الشمال كخطوة اولى في تنفيذ اتفاق الطائف وكمبادرة حسن نية من هذا النظام ولتأكيد التزامه الطائف بحيث يؤدي استجابة طلب الانسحاب الى تسهيل المحادثات مع العماد عون والتي كانت قد بدأت عبر سعاة خير من اجل ان يفتح ابواب قصر بعبدا للرئيس معوض بعد وعد بتنفيذ هذه الخطوة، وجعل العماد عون يلتحق بالشرعية وبالتالي تجنيب لبنان والمناطق المسيحية تحديدا التداعيات المدمرة لانهاء التمرد بالطرق العسكرية على غرار ما حصل لاحقا في 13 تشرين اذ اطيح حكم العماد عون بالقوة العسكرية السورية وهي الطريقة التي رفض الرئيس معوض اللجوء اليها لقمع تمرد عون بل اصر على حل الملفات الخلافية بالحوار والتفاوض، وقد يكون هذا من اسباب اغتياله. كما رفض محاولة النظام السوري فرض اسماء وزراء قريبين من هذا النظام في اول حكومة يتم تشكيلها، وأصر على ان يتولى تشكيل هذه الحكومة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وفقا لأحكام دستور الطائف.
لقد اعتذر رئيس هيئة "القوات اللبنانية" سمير جعجع بالاصالة وبالوكالة عن كل "القواتيين" الى الشعب اللبناني عن اخطاء ارتكبت فلماذا لا يعتذر العماد عون من اللبنانيين عموما ومن المسيحيين خصوصا على الخسائر المادية والبشرية التي لحقت بهم نتيجة حروبه العبثية ورهاناته على عراق صدام حسين في الماضي، وعلى المحور السوري – الايراني حاليا، وعلى ما لحق من اضرار وخسائر مادية جسيمة بالمؤسسات التجارية والمقاهي والمطاعم وسط بيروت نتيجة الاعتصام الطويل في الخيم. وما تعرضت له بكركي وسيدها من اهانات، وكذلك من شهداء الجيش الذين تركوا لمصيرهم في المعركة عند استسلامه وتسليمه بشرعية الرئيس الهراوي وبالعماد اميل لحود قائدا للجيش، والاعتذار ايضا من جميع اللبنانيين الذين رفعوا شعاراته الاستقلالية والسيادية وايدوها بحماسة منقطعة النظير، ثم انقلب عليها.
لقد تطايرت اشلاء الرئيس الشهيد رينه معوض مع الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1989 لأنه كان يشكل فرصة لتنفيذ اتفاق الطائف تنفيذا دقيقا كاملا واقامة دولة الحق والمؤسسات ولأنه كان من قماشة الرجال الكبار الذين صنعوا لبنان وجعلوه سيدا حرا مستقلا. وكان من الرجال الذين يعرفون قصة لبنان ومبررات وجوده واستمراره. فكان العقل الهادئ والرصين والمتزن الذي يحفر الجبل بابرة الذي لم يكن سيف طائفته، بل يسعى الى تجنيبها ظلم سيوف الآخرين، فأبى زمن الحرب ان يكون حارسا لخطوط التماس ولا لإشعالها، بل كان اللبناني العتيق المؤمن الذي كان يجازف بعبورها والاحتجاج عليها، فكانت عينه على بيروت الشرقية وعلى بيروت الغربية لأنه الشمالي الذي هو ابن خريطة لبنان بحدوده الكاملة.
وفي خطاب القسم قال الرئيس الشهيد رينه معوض: "لا وطن، ولا دولة، ولا كيان بدون وحدة الشعب، ولا وحدة بدون وفاق ولا وفاق بدون مصالحة ولا مصالحة بدون تسامح وتضحية ولا شيء من كل هذا بدون ايمان ومحبة. لذلك فان دعوتي الاولى هي الى المصالحة لتعميم الوفاق. لم يعد احد منا يطيق صبرا على المحنة – المأساة ولم يعد احد منا يقبل العيش وكأننا في القرون الوسطى، بدون ماء وكهرباء، وبدون مسكن تهجرنا منه او تهدم. لم يعد احد منا يطيق الوقوف صفوفا طويلة للحصول على رغيف يقتات به اولادنا او الانتظار امام ابواب السفارات للحصول على تأشيرة دخول الى بلد آمن. كفانا قهر وكفانا عذاب. كفانا ذل وكفانا دم، كفانا تقهقر وكفانا افقار، كفانا تهجير وكفانا تهجر، كفانا رهانات وكفانا مغامرات. لقد آن لنا جميعا ان نعود سويا الى شاطئ الامان. الى هذا الوطن الذي كان موضع اعتزازنا بما يمثله في التاريخ وفي العالم من عيش مشترك وانجازات حضارية والذي يجب ان يعود، بسعينا جميعا، الى دوره الرائد والمميز".
لقد اعتبر الكثيرون ان الرئيس معوض هو رجل التوازنات في كل امر وشعاره المصالحة التي تتسع للجميع، وهو الميزان اللبناني الذي بانكساره يختل توازن الوطن.
يقول المحامي كريم بقرادوني رئيس حزب الكتائب السابق في حديث له عام 1991: "كان رينه معوض واقعيا الى اقصى الحدود يعرف الى اين يذهب ومتى يتحرك. لم يكن موافقا على تعيين عون رئيسا للحكومة ونصح الرئيس الجميل ان يوسع حكومة الحص ويسلمها مهمة الاشراف على المرحلة الانتقالية. وعندما اعلن الجنرال عون "حرب التحرير" قال لي معوض: "مشكلة عون اصبحت كبيرة وستوصلنا الى مشاكل كبيرة، انه يحرك امورا غير طبيعية بصورة غير طبيعية وسيترتب عليها عواقب غير طبيعية، يدفع ثمنها لبنان والمسيحيون. انه يلعب بعواطف الناس.
وفي حديث للمحامي بقرادوني عام 1990 قال فيه: "كان رينه معوض يعيش هاجس الاغتيال بدون ان يترك هذا الهاجس يتحكم بعقله وتصرفاته، فقبل ان يغادر باريس الى مطار القليعات التقى ابنه ميشال وقال له: "يمكن بكرا ينتخبوني ويمكن بعدها يغتالوني" انت مسؤول يا ميشال عن امك واختك" وكان هذا هو اللقاء الاخير بين الاب والابن". ويضيف بقرادوني: "كان يردد على مسمع الكل" "اريد ان اعيد للرئاسة الصورة التي كانت تتحلى بها قبل الحرب. لن اقبل ان ابقى لاجئا في الرملة البيضاء، مكاني في قصر بعبدا"، لم يكن يرى اي اسباب تخفيفية تبرر تصرف عون تجاهه وان شعبية عون الكبيرة لا تبرر تعطيل الشرعية. كان يعرف ان ركوب الموكب الرسمي خطير، لكنه كان يصر عليه ويرفض استعمال سيارة جانبية مؤكدا: "علينا الحفاظ على مظاهر الشرعية بانتظار بسط سلطة الشرعية. كان يرفض ان يلبس السترة الواقية من الرصاص مع يقينه ان محاولات اغتياله على قدم وساق، فيتظاهر انه مرتاح وواثق من ان الشرعية العادلة والمعتدلة لا خوف منها ولا عليها. وكان يقول للمقربين: "انا لم اؤذ نملة في حياتي، فلماذا يريدون قتلي"…