بسكويت ماري انطوانيت!
هذا زمن قرع الطبول وتجميع الناس على الحق، وعلى الباطل ايضاً. لكن الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة. يقول للناس:
آخذكم الى الجنة، وأقيم لكم الجمهورية الفاضلة، فتفرح قلوبكم. وآخذكم الى "الجحيم" الذي قاتلته زمناً طويلاً من قبل، فأصحح ما علق في عقولكم وفي عقلي ايضاً(!) فتفرح قلوبنا جميعاً حتى ولو حزنت الصلبان في رقاب المسيحيين المنقسمين والمشرذمين… وبئس المصير؟!
❑ ❑ ❑
هذا زمن الانتخابات. وطبول الانتخابات التي لا يراد لها ان تمثل تجديداً للعقد العام وتعبيراً عن رغبة الناس وطموحات المواطنين البؤساء، بل يراد لها ان تُسقط مرة أخيرة تلك الأكثرية المزعومة والبائسة التي لم ننزع عنها الشرعية فحسب، بل حاصرناها وعطلناها وألقينا عليها كل التهم والافتراءات، ثم دهمناها في عقر دارها. ومن الضروري ان نذكّرها دائماً بأن سيف السابع من أيار حاضر ولمّاع وبتّار وهو ما سمعه اللبنانيون قبل أيام والحمد لله!
ولأنه زمن الانتخابات التي يجب ان تفوز بها قوى المعارضة للخلاص من هؤلاء الذين يرتكبون قباحة الحديث عن "انتفاضة الاستقلال" و"ثورة الأرز" و"حركة السيادة"، وما الى ذلك من شعارات يعاقب عليها القانون ويهدّد دمها النضال السرمدي الأبدي الساحق الماحق.
ولأنه في هذا الزمن تحديداً سنصعد سلم التأزيم بخطى أكيدة وثابتة. ولن نترك غسيلاً إلا وننشره على السطوح. ولن نبقي في امعائنا كذبة إلا ونجعل منها جرساً قارعاً في الرعية. ولن تخطر الى عقولنا فبركة جهنمية مسيئة إلا وسنقيم لها أوركسترا عازفة.
الأبيض يجب ان نجعله أسود، والأسود يجب ان نجعله أبيض. أما الرمادي فهو ممنوع من ان يقوم أو يظهر سواء أكان كتلة نيابية وسطية أو حيادية او تقول نحن مع رئيس الجمهورية او حتى مع ابينا الذي في السماء… والله اكبر!
❑ ❑ ❑
هذا زمن يا قاتل، يا مقتول، الى درجة ان الناس المساكين باتوا يرتعدون خوفاً منذ الآن وقبل سبعة شهور من حلول موعد الانتخابات او موعد "الدمار الأخير" الذي سيضرب هذا الوطن المعتوه.
ان كلاماً من هذا النوع لا يضيف فاصلة الى ابجدية الرعب التي ترتسم يومياً داعية في شكل مباشر او غير مباشر، الى إلقاء الأكثرية او الأقلية في البحر او الى إلقاء نصف اللبنانيين على الاقل في البحر.
❑ ❑ ❑
وسط هذا الجو المحموم من الاتهامات والفزّاعات، ربما لم يكن ينقص فؤاد السنيورة سوى ان يجثو راكعاً أمام مجلس النواب وفيه من فيه من مقاولي المزايدات ومثيري المشاغبات، وخصوصاً اولئك الذين نصّبوا انفسهم مرسلين يحملون رايات الطهارة، تلك الطهارة التي يتم إرواؤها على علم الناس جميعاً بـ"المال الحلال" يصل نقداً في العربات وربما السريعة.
لم يكن ينقص السنيورة سوى ان يشنق محمد شطح ويعلقه بحبل في قبة البرلمان، ما لم يستجب المطالبات المكشوفة لشراء رضى الناس الجائعين والمحتاجين في هذا البلد المتعوس منذ زمن والذي مات رئيسه السابق الياس الهراوي وهو يخبرنا قصة الدولة البقرة التي جفّ ضرعها ولم يتوقف النهش فيها، والمثير ان الذين اكلوا الدولة "بالطالع وبالنازل" منذ عام 1989 حتى الآن، هم الذين يتهمون غيرهم بالسرقة والنهب وقد كانوا شركاء مضاربين في كل هذه الفضائل.
❑ ❑ ❑
مسكين فؤاد السنيورة يقف راجياً ومتمنياً وداعياً الى ما لا يصدق، اي الى "الرصانة المالية" وهناك من استمع اليه ضاحكاً في عبّه ومتسائلاً:
وماذا عن الرصانة الاخلاقية، والرصانة الوطنية، والرصانة المسيحية على الأقل؟
ومسكين فؤاد السنيورة أكثر وأكثر عندما يقول ان المزايدات لا تصنع خبزاً.
وكأنه على غير دراية، بالواقع. فالمزايدات يا سيدي عشية الانتخابات تبيض ذهباً وتصنع خبزاً أين منه بسكويت ماري انطوانيت.
صحيح ان المزايدات تتلف "قمح" الخزينة الذي تستعمله الدولة في صناعة "الخبز" للمواطنين، ولكن المزايدات السياسية قبل الانتخابات شفوية بعملة من الاتهامات والمزاعم، تطعم جداً جداً والى درجة التخمة الكبيرة في الحاشية والأتباع!
❑ ❑ ❑
ربما كان على السنيورة الذي حدثنا عن 35 الف وحدة سكنية مدمرة او متضررة بسبب العدوان الاسرائيلي الوحشي قبل عامين ولم تجد حتى الآن من يتبرع بإعادة بنائها، وهي تكلف 450 مليون دولار، من دون احتساب التعويضات لأصحاب المؤسسات الاقتصادية والصناعية والزراعية، ربما كان عليه ان يرطب ذاكرة الناس فيكشف ما قدمته دول "المال الحلال" لعملية اعادة البناء. ويكشف ايضاً ما قدمته الدول الاخرى الشقيقة فعلاً وخصوصاً المملكة العربية السعودية التي تكفلت اعادة بناء أكثر من 65 في المئة تقريباً من القرى المدمرة والجسور المهدمة، والتي تستمر في مد يد العون والمساعدة بكل ما اوتيت من رصانة الحس الاخوي المسؤول، فتقدم رسوم التسجيل والكتب تكراراً وللسنة الثالثة لكل طلاب لبنان، ولا تلتفت الى كل المزاعم والاباطيل والتجنيات التي تساق اليها وبإيحاء خارجي معروف ومفهوم يتهمها بدفع الأموال الانتخابية للأكثرية بهدف دعمها في الانتخابات، بينما يذهب السفير عبد العزيز خوجه في صمت الى السنيورة ليقدم اليه دفعة جديدة لنزع الالغام التي تركتها اسرائيل وقيمتها مليون دولار.
وان الاستمرار في الحديث عن اموال سعودية لدعم الأكثرية في الانتخابات سيتواصل ويزداد ويرتفع بالتأكيد، لأسباب ليست خافية على أحد:
أولاً، لاستدرار المزيد من "الاموال الحلال" المتدفقة على المعارضة وصحتين على القلوب.
ثانياً، تمهيداً لايجاد مبررات مزعومة تستعمل اذا خسر المعارضون الانتخابات؟
ثالثاً، تأسيساً للطعن في نتائج الانتخابات وتعطيل الأكثرية اذا فازت قوى 14 آذار.
❑ ❑ ❑
كل هذا القتال، من أجل ماذا؟ ومن؟
من أجل معركة انتخابية ستنحصر في المناطق المسيحية تقريبا، ولكأن الذين يرفعون رايات تحصيل حقوق المسيحيين يحسبون ان السيد المسيح تقدّس اسمه، أعمى لا يرى ماذا يدور في الكواليس من لبنان الى ما وراء الحدود!