#adsense

مومباي شأناً لبنانياً

حجم الخط

تجربة ترويها عائلة "تاتا" في وجه الشرّ المحض
مومباي شأناً لبنانياً

الشرّ المحض الذي استبدّ بمومباي في ساعات تخريباً وتقتيلاً ونيلاً من سطوع الدرّة المذهلة ذات المفارقات التي لا تُحصى هو شرّ مسلّط ليس فقط ضد الأمّة الهندية بل ضدّ الحضارة البشرية ككل والمشترك من قيمها "المدائنية". وما حدث في مومباي، من فوق ما هو حدث كوني بكل ما للكلمة من معنى، هو أيضاً حدث لبنانيّ، تماماً مثلما لمومباي المدينة شأن لبنانيّ هي الأخرى، شأن يعني اللبنانيين بشكل خاص، واليوم على وجه التحديد، وقد آن لهم أن يعوا ذلك، قبل أن يستفيقوا على ليل من رعب.

ومومباي يمكن أن تقصّ تجربتها على اللبنانيين من خلال بضع كلمات عن عائلة "تاتا" إبتداء من صانع أمجادها جامسهدجي نصروانجي تاتا (1839-1904) الذي يمثّل النموذج الأمضى للـ"البرجوازية الوطنية".. على الطريقة الهندية. بدأ نشاطه في صناعة النسيج ومهّد السبيل لمكننتها، لكنّه عندما رفض إستقباله في فندق فخم للبريطانيين والغربيين حصراً يومها كان قراره الدخول، بذهنية الصناعيّ المبادر والوثّاب إلى المجال الفندقي، وقام ببناء فندق تاج محل عام 1903 الذي لم يكن له وقتها مثيل في شبه القارة الهندية، وعلى أساس الأسلوب الفيكتوري الذي كان رائجاً في العمارة الكولونيالية من بومباي (مومباي حالياً) إلى كالكوتا (كولكاتا حالياً) إلى مدراس (شيناي الآن)، وهو الأسلوب الذي يسطع بشكل أساسي في محطة القطارات بوسط مومباي التي هي بحق تحفة للناظرين، وكانت تدعى "محطة الملكة فيكتوريا" وصارت الآن "محطة شهاتراباتي شيفاجي" (و"تأصيل" الأسماء على هذا النحو تقليعة سادت في السنوات الأخيرة وتؤشّر بدورها على إنتعاش ما يعرف بـ"سياسات الهوية").

بيد أن فندق تاج محل استطاع أن يمزج الأسلوب الفيكتوري في العمارة والمرصّع بقبة مذهلة مع شيء من الأثر المعماري المغوليّ في حين أضفت الهند القديمة والأسطورية لمساتها على العمارة الداخلية للفندق. بكل هذا المزج المتقن استطاع الفندق أن يفرض نفسه البناء الأكثر جمالاً في إمبراطورية الهند البريطانية مع أنّ بانيه هو إبن الهند الذي حرم يوماً من حقّ المنامة في فندق يأوي الإنسان الأوروبي فقط، فما فكّر عندها بإحراق فنادق الأوروبيين ولا بإحراق الأوروبيين في فنادقهم، بل أستعمل عقله وماله وذوقه لتشييد ذاك البناء الذي تنقله إلينا الشاشات اليوم وألسنة اللهب تندلع قرب قبّته.

وسلالة تاتا الصناعية التي طوّرت هذا العام السيارة الأرخص في العالم واسمها "نانو" وسبق أن دخلت إلى مجلس إدارة مجموعة "الفيات" عام 2006، هي سلالة تنتمي إلى أقلية دينية وإثنية، هي الطائفة "الفارسية" (الفرسيس أو الباراشيكا) المتفرّعة عن الديانة الزرادشتية. وفدوا إلى الهند لاجئين من فارس هرباً من الإضطهاد وبعد ضياع الملك الساسانيّ، واتخذوا لهم مكانة ضمن التنوّع الهندي العجيب، وصاروا أوفياء للأرض التي أحتضنتهم ووجدوا فيها حرّيتهم الدينيّة والقوميّة، وشاركوا بالذات في إزدهار مومباي التي يتركّز قسم كبير منهم فيها حالياً.

مومباي تعني اللبنانيين أولاً من خلال العبر والإشارات التي يمكن إستيحاؤها من مسيرة عائلة "تاتا" جيلاً بعد جيل. فهذه العائلة والطائفة التي تنتمي إليها معجونة بأفكار الحرّية والتسامح والتعدّدية، وتجسّد المزج بين تقاليد وثقافات من مشارب متنوّعة، والجمع بين أنشطة صناعية "إنتاجية" وبين الإستثمارات في القطاعات الخدمية والسياحية.

مومباي المستهدفة هي مومباي الناجحة، وعائلة "تاتا" وطائفة "الفرسيس" تمثّل النجاح بحدّ ذاته كقيمة. الذين هاجموا فندق تاج محل، وإرث عائلة "تاتا" واستهدفوا الأمة الهندية ككل في أعمالهم الهمجية إنّما يمثلون نقيض النجاح.

الهند التي تجسّدها مومباي وعائلة تاتا وفندق تاج محل هي هند قرّرت ألاّ تضيع وقتها في "الممانعة" أمام الرأسمالية أو أمام إقتصاد السوق، أو أمام عولمة الثقافة والتخليط بين الأمزجة والأذواق. هي هند أوجدت رأسماليتها الحيويّة والمذهلة من حيث أفاق التطور التي أمامها وبقيت في الوقت نفسه بلاد الروحانيات المعاشة والكثيفة، وحوار الأديان المحقّق بالفعل. هي هند صنعت ديموقراطيتها البرلمانية والفدرالية مستفيدة من الإرث الكولونيالي البريطانيّ ولم تنجرّ وراء ديكتاتوريات عسكرية أو نظام حزب واحد. مرض "الممانعة" لم يصبها، ولم يصبها قبله مرض على شاكلة "البعث".

ربّما لأجل ذلك تنبّه حازم صاغية في كتابه الممتاز "قوميو المشرق العربيّ" إلى أن منظّري القومية العربية لم يتنبهوا يوماً إلى النموذج الهندي في بناء الدولة الأمة المتعدّدة دينياً وإثنياً ولغوياً والمفدرلة جغرافياً، وإنما انساقوا وراء نموذج ليس يفترض فيه أن يحاكيهم في شيء، النموذج الألماني المبني على النقاوة العرقية واللغوية والمركزي للغاية.

ربّما لأجل ذلك نحن بحاجة اليوم للتعرّف على الهند أكثر من أي وقت مضى. والحال إنّ الدعوة إلى تطوير العلاقات اللبنانية الهندية في كافة المجالات، من الإقتصاد إلى الثقافة، هي أفضل ردّ يمكنه أن يصدر عن لبنان الرسمي على الهجمات الإرهابية الهمجية في مومباي. الهند هي قارة "حوار الأديان"، هي التنوّع إذ يبلغ مداه كمّاً ونوعاً، في حين أن لبنان هو التنوّع المضغوط في بقعة صغيرة. ولا شك أن نموذج عائلة "تاتا" يمكن أن تتعرّف التجربة اللبنانية من خلاله على نفسها، كما يمكن أن تتعرّف من خلاله على ما تفتقده وتصبو إليه.

الهند أيضاً عليها أن تكتشف لبنان أكثر. من جهته، فندق تاج محل كان يقوم بالمهمّة على أكمل وجه من خلال مطعم لبنانيّ فخم يحتضنه ويطلّ على خليج مومباي الساحر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل