#adsense

اوباما: مشاكل لبنان مصدرها سوري – إيراني… أميركا الجديدة: وصاية دمشق خطر على اللبنانيين

حجم الخط

من حقيبة "النهار" الديبلوماسية
أوباما: مشاكل لبنان مصدرها سوري – إيراني… أميركا الجديدة: وصاية دمشق خطر على اللبنانيين

"أكد عدد من مستشاري باراك اوباما المعنيين بملف الشرق الاوسط خلال اتصالات اجروها اخيرا مع جهات رسمية عربية واوروبية، ان الرئيس المنتخب يريد نزع عوامل التفجير في هذه المنطقة الاستراتيجية والحيوية البالغة الاهمية، والانتقال بها تدريجا من مرحلة المواجهة المستمرة والصراعات الدامية الى مرحلة السلام والتعاون البناء بين سائر الدول، وذلك عبر تركيز جهوده منذ بداية ولايته على محاولة تسوية النزاع العربي – الاسرائيلي بجوانبه المختلفة الفلسطينية والسورية واللبنانية ومعالجة الاوضاع في العراق، وحل المشكلة النووية الايرانية، واعتماد اسلوب الحوار المباشر الصريح مع مختلف الاطراف المعنيين بالامر على اساس متطلبات الشرعية الدولية وقراراتها بحيث يشمل ذلك التحاور مع اعداء الولايات المتحدة وخصومها كإيران وسوريا.

وأوضح هؤلاء المستشارون ان اوباما يرغب ضمن هذا الاطار في ان يكون لبنان عامل سلام واستقرار وليس عامل تفجير لإشعال حرب جديدة مع اسرائيل، كما يرى ان اعتماد الحوار مع خصوم اميركا ليس معناه تقديم التنازلات لهم، وان التعامل ديبلوماسيا مع سوريا وايران لن يؤدي اطلاقا الى الرضوخ لمطالبهما والى تقبل سياساتهما الحالية المتعارضة مع المصالح الحيوية للبنانيين والفلسطينيين والعراقيين، ومع متطلبات الامن والاستقرار والسلام في المنطقة، ومع توجهات اميركا ومصالحها الحيوية".

هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع في باريس، واوضحت ان اوباما سيستند في تعاطيه مع منطقة الشرق الاوسط وقضاياها، بما فيها القضية اللبنانية، على المبدأ الاساسي الذي حدده في اول خطاب ألقاه بعد اعلان فوزه في انتخابات الرئاسة الاميركية حيث اكد: "اقول للذين يريدون تدمير هذا العالم: سنلحق بكم الهزيمة، واقول للذين يريدون السلام والامن: سندعمكم".

وذكرت المصادر الاوروبية المطلعة ان "ثمة مخاوف لدى بعض اللبنانيين من ان يؤدي الحوار الاميركي الجديد مع سوريا وايران الى التضحية بالمصالح اللبنانية المشروعة والى عقد صفقة مع هذين البلدين على حساب لبنان السيد المستقل وعلى حساب المحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية اخرى.

لكن الواقع هو نقيض ذلك تماما، اذ ان الحوار الاميركي مع سوريا وايران سيهدف، بين امور عدة، الى حماية استقلال لبنان وسيادته وامنه واستقراره والى تطبيق قرارات مجلس الامن ذات الصلة، والى مطالبة السوريين والايرانيين بوقف تدخلاتهم السلبية والخطرة في شؤون هذا البلد. كما ان اوباما ملتزم كليا دعم المحكمة الدولية من اجل تحقيق العدالة في الجرائم السياسية الكبرى التي هزت لبنان، ومن اجل وضع حد لاعتماد منهج الاغتيالات في التعاطي مع شؤون هذا البلد، وهذا ما اكده بعض مستشاري الرئيس الاميركي الجديد لجهات عربية واوروبية معنية بمسار الاوضاع اللبنانية".

ووفقا لما أكده لنا ديبلوماسي اوروبي زار واشنطن اخيرا والتقى بعض مستشاري اوباما الذين سيهتمون بملف الشرق الاوسط في البيت الابيض وفي وزارة الخارجية: "ان اوباما لن يقوم بأي مجازفة تعرض لبنان المستقل للخطر، ولن يساوم مع نظام الرئيس بشار الاسد على صفقة تجعل لبنان خاضعا مجددا للهيمنة السورية لانه يدرك ان المشاكل الجوهرية التي يعانيها هذا البلد مصدرها سوري – ايراني في الدرجة الاولى ومرتبطة كذلك بالنزاع مع اسرائيل وليس مصدرها لبناني داخلي".

ثلاث مشكلات تواجه لبنان

وكشفت هذه المصادر الاوروبية المطلعة، وللمرة الاولى، حقيقة نظرة مستشاري اوباما المعنيين بقضايا الشرق الاوسط الى لبنان وتقويمهم لطبيعة مشاكله ولأوضاعه الحالية، وهو ما يساعد على فهم السياسة التي سيعتمدها الرئيس الاميركي الجديد حيال هذا البلد.
وتتضمن نظرة مستشاري اوباما الى لبنان النقاط والامور الاساسية الآتية:
اولا، ان التزام الدفاع عن استقلال لبنان وسيادته هو احد ثوابت السياسة الاميركية في الشرق الاوسط وليس واردا التخلي عنه.
ثانيا، ليست ثمة "مشكلة" لبنانية اليوم بالمعنى الحقيقي والدقيق للكلمة كما كانت الحال في الفترة بين 1975 و1989 مما يستدعي وضع هذا البلد تحت وصاية خارجية ما. لكن لبنان يواجه حاليا ثلاث مشكلات اساسية مرتبطة بعوامل اقليمية وتدخلات خارجية وهي:

1 – مشكلة سلاح "حزب الله" واخطار استخدام هذا السلاح داخليا وفي التعاطي مع اسرائيل.

2 – مشكلة رغبة نظام الرئيس بشار الاسد المستمرة وغير المعلنة رسميا في الهيمنة مجددا على لبنان وانهاء استقلاله وسيادته.

3 – مشكلة عدم تطبيق قرار مجلس الامن 1701 بالكامل بما يؤدي الى انهاء حال الحرب بين لبنان واسرائيل ومنع اندلاع مواجهة جديدة بين البلدين.

ثالثا، كان لبنان "مشكلة حقيقية" في الفترة ما بين 1975 و1989، اذ شهد آنذاك حربا اهلية قامت بتغذيتها جهات اقليمية ودولية وخرجت عن سيطرة ابنائه، فانهارت الدولة ومؤسساتها الى حد كبير او تعرضت للشلل ولم يعد ثمة جيش موحد وقوى امنية وطنية تدافع عن لبنان وتحميه، وتمزقت الوحدة الوطنية فافترق اللبنانيون بعضهم عن بعض واصبحوا بالتالي عاجزين عن ادارة شؤونهم بأنفسهم. وهذه العوامل كلها ادت الى تقليص استقلال لبنان وسيادته، والى حدوث تدخل دولي وعربي لوقف الحرب الاهلية، والى منح النظام السوري آنذاك بعد توقيع اتفاق الطائف عام 1989 تفويضا دوليا – عربيا لضبط الاوضاع الامنية في هذه البلد ولمساعدة اللبنانيين على التلاقي مجددا ولإعادة بناء دولتهم ومؤسساتهم الشرعية. لكن النظام السوري استغل هذا التفويض واوضاع لبنان المأسوية لتحقيق حلمه ولفرض هيمنته الكاملة على هذا البلد واقامة وحدة امر واقع بينه وبين سوريا.

رابعا، الوضع مختلف كليا وجذريا اليوم عن هذه المرحلة السابقة. فلبنان استعاد استقلاله وسيادته وتحرر من الهيمنة السورية بإرادة الغالبية العظمى من ابنائه وبدعم دولي وعربي واسع ليس له مثيل. وليست ثمة حرب اهلية في هذا البلد، بل ان اللبنانيين مصممون في غالبيتهم العظمى على عدم السقوط مجددا في فخ الاقتتال الداخلي الواسع والمدمر. وثمة دولة ومؤسسات لبنانية شرعية تعمل وان تكن تواجه بعض المصاعب والعقبات. وثمة جيش حقيقي موحد يستحق المزيد من الدعم الاميركي والدولي والعربي اذ اثبت قدرته مع القوى الامنية، على ضبط الاوضاع الى حد كبير وعلى مواجهة الارهاب والارهابيين بفاعلية. وشهد لبنان انتخابات نيابية حرة عام 2005 ادت الى فوز الاستقلاليين بالغالبية الكبرى من الاصوات، وهو يستعد لانتخابات نيابية جديدة ربيع 2009 في ظل وجود رئيس وطني توافقي مستقل عن سوريا هو العماد ميشال سليمان، وحكومة وحدة وطنية ليست تابعة لدمشق بل تعمل تحت رعاية دولية وعربية.

خامسا، ينتج عن ذلك كله ان لبنان اليوم يمارس حقه المشروع في السيادة والاستقلال وهو قادر على ادارة شؤونه بنفسه على رغم التدخلات الاقليمية وخصوصا السورية – الايرانية. وهو ليس في حاجة إلى وصي إقليمي أو دولي، بل ان اي هيمنة سورية عليه ستهدد امنه واستقراره وتمزق وحدته الوطنية مجددا. فاللبنانيون وفي غالبيتهم الساحقة يرفضون الهيمنة السورية التي تشكل انتهاكا فاضحا لقرارات مجلس الامن وتتعارض كليا مع ما يريده المجتمع الدولي وسائر الدول العربية باستثناء سوريا.

سادسا، ليست ثمة "مشكلة حقيقية" لبنانية، اذن، تهدد مصير هذا البلد وامن المنطقة كما كانت الحال في الفترة ما بين 1975 و1989. لكن ثمة ثلاث مشكلات رئيسية يجب ايجاد حلول لها هي:

1 – اصرار "حزب الله" على الاحتفاظ بسلاحه وبقرار الحرب مع اسرائيل بما يشكل انتهاكا لقرارات مجلس الامن وتحديا لسلطة الدولة ولارادة الغالبية العظمى من اللبنانيين. ويلقى الحزب دعما سوريا وايرانيا في توجههه هذا.

2 – طموح نظام الاسد المستمر الى اعادة ربط لبنان بسوريا والتحرر من المحكمة الدولية.

3 – بقاء لبنان ساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل نتيجة عدم التطبيق الكامل للقرار 1701 والتدخلات السورية والايرانية في شؤونه.

حوار اميركي صريح مع الاسد

واكدت المصادر الاوروبية المطلعة ان مستشاري اوباما يرون ان معالجة هذه المشكلات الثلاث لن تتحقق بإخضاع لبنان مجددا لسيطرة نظام الاسد، او بدفع "ثمن لبناني" لسوريا، لان النظام السوري هو مع حليفه الايراني، مصدر هذه المشكلات. بل يرى مستشارو اوباما انه تجب معالجة هذه المشكلات الثلاث التي هي مصدر تهديد محتمل للامن والاستقرار في المنطقة، من خلال تحرك الادارة الاميركية على خطين متوازيين:
الخط الاول: التمسك باستقلال لبنان وسيادته وتطبيق قرارات مجلس الامن ذات الصلة بما يشمل دعم عمل المحكمة الدولية ومساندة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية وعلى رأسها الجيش.

الخط الثاني: فتح حوار مباشر مع نظام الاسد يتناول مختلف القضايا العالقة وتقديم حوافز واغراءات لهذا النظام لدفعه الى التخلي عن سياساته المتشددة واعتماد سياسات جديدة ايجابية وبناءة تساعد على دعم الامن والاستقرار في لبنان وعلى تحقيق السلام في المنطقة.
ووفقا لمستشاري اوباما فان الحوافز والاغراءات التي تنوي ادارة الرئيس الاميركي الجديد تقديمها الى نظام الاسد تتضمن الآتي:

– تأكيد التزام الادارة الاميركية العمل على تأمين انطلاق عملية تفاوض جديدة بين سوريا واسرائيل وبمشاركة اميركية فاعلة بعد الانتخابات الاسرائيلية وبحيث يرافق ذلك دعم المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية وايجاد الظروف الملائمة لإطلاق عملية تفاوض بين لبنان واسرائيل.
– تأكيد استعداد الادارة الاميركية الجديدة لتحسين العلاقات مع سوريا بشروط وفي مقابل إقدام نظام الاسد على الاحترام الفعلي لاستقلال لبنان وسيادته، والتوقف عن التدخل سلبا في شؤونه، ووقف ارسال الاسلحة الى "حزب الله"، والتوقف عن دعم "حماس" وسائر التنظيمات الفلسطينية المعارضة للسلام ووضع حد لنشاطات الجهاديين المتسللين عبر سوريا الى العراق، والمساعدة على تطبيق القرار 1701 من اجل تثبيت وقف القتال بين لبنان واسرائيل، والتعاون مع المحكمة الدولية، والمشاركة في الجهود الاميركية والدولية لمحاربة الارهاب.

ووفقا لما قاله لنا ديبلوماسي اوروبي التقى بعض مستشاري اوباما: "ان انفتاح ادارة اوباما على سوريا ليس هدية لنظام الاسد وليس مكافأة له على اعماله وممارساته المرفوضة، بل ان هذا الانفتاح الاميركي سيشكل اختبارا جديا وحقيقيا لنيات هذا النظام، ولمدى استعداده لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة ولإحداث تغيير جوهري في سياساته وتوجهاته وتحالفاته، فاذا كان نظام الاسد يريد فعلا السلام مع اسرائيل وتحسين علاقاته مع اميركا والخروج من عزلته العربية والدولية، فان المطلوب منه ان يثبت ذلك فعلا باعماله وقراراته وان يدعم السلام والاستقرار في لبنان والعراق وفلسطين وفي المنطقة عموما".

واضاف: "ان مستشاري اوباما يدركون تماما ان نظام الاسد في موقف ضعف وانه هو الذي يحتاج الى اميركا والى استعادة الجولان وتسوية مشاكله سلميا مع اسرائيل، وهو الذي يحتاج الى تحسين علاقاته مع اميركا والغرب ومع الدول العربية البارزة والمؤثرة من اجل معالجة اوضاع بلاده البالغة الصعوبة. وهذا يعني ان النظام السوري هو الذي يجب ان يدفع ثمن الانفتاح الاميركي الجديد عليه وليس العكس، فيتوقف عن دعم القوى المتشددة اللبنانية والفلسطينية والعراقية والعربية ويعتمد بدلا من ذلك سياسة جديدة واقعية وحكيمة وبناءة تنسجم مع متطلبات الشرعيتين الدولية والعربية وتساعد على تحقيق الامن والاستقرار والسلام في المنطقة. وهذا ما يريده باراك اوباما اساسا من سوريا".

المصدر:
النهار

خبر عاجل