تحسين المواقع وسياسة الانخراط
بات من المؤكد ان سياسة الإدارة الأميركية الجديدة ستشمل انفتاحاً على إيران وسورية تحت عنوان الانخراط في حوار مع الدولتين بدلاً من المواجهة. وخصوم دمشق وطهران الإقليميون يترقبون كيف ستسعى كل منهما الى الإفادة من هذا الانخراط الأميركي معهما بخطوات تدرجية من المبادلات المحتملة، على طريقة الخطوة خطوة، من أجل الإيحاء بأنهما تفوقتا على هؤلاء الخصوم طالما ان الإدارة الجديدة تسعى الى خطب ودهما.
ومع ان خصوم دمشق يعتقدون بأن هذا الانخراط من جانب إدارة الرئيس الجديد باراك أوباما، لن يصل الى نتائج مثمرة وبأن الإدارة الأميركية قد تعطي الحوار فرصة سنة الى 18 شهراً قبل ان تكتشف انه يصعب حصول اتفاق مع ايران وسورية، فإن جميع المعنيين يؤكدون ان هذا الحوار سيحصل، بل ان بعض المعطيات والتقارير يتحدث عن بدء بعض فريق أوباما اتصالات غير رسمية وبعيدة من الأضواء مع الجانب الإيراني في عواصم أوروبية، ومع الجانب السوري في واشنطن نفسها، تمهيداً لهذا الحوار الرسمي لاحقاً.
لكن المؤكد ايضاً، ان بدء انخراط اوباما في الحوار مع الدولتين المحوريتين في المنطقة لن يتم بالوتيرة السريعة التي تتصورها طهران ودمشق والقوى الحليفة لهما، حتى لو بدأ بعيداً من الأضواء. فترجمته العملية والرسمية تحتاج الى أكثر من 6 أشهر في انتظار اكتمال عقد إدارة أوباما بعد تسلمه مهماته في 20 كانون الثاني (يناير) المقبل. كما ان الانخراط في هذا الحوار يحتاج الى حسم الإجابات على الكثير من الأسئلة: هل تعطي واشنطن أوباما الأولوية لحوارها مع ايران باعتبارها الدولة الأقوى في التحالف السوري – الإيراني، ولأن المشكلة معها أكبر بفعل ملفها النووي، فيكون الحوار مع سورية ثانوياً لمصلحة التركيز على المسار الفلسطيني باعتباره لب المشكلة في المنطقة؟ أم ان إدارة أوباما ستعطي الأولوية للحوار مع دمشق، لتحقيق تقدم في المسار السوري – الإسرائيلي طالما ان استمرار الخلاف الفلسطيني الداخلي يحول دون تقدم في «حل الدولتين»، في إطار الاعتقاد الغربي السائد بأن السلام السوري – الإسرائيلي يخفف من اتكاء طهران على دمشق في الشرق الأوسط ويجردها من الورقة السورية ويسهل الحوار معها لاحقاً؟
ولا يقتصر الأمر على هذين السؤالين، حول اولويات أوباما في المنطقة، بعد ان وسّع الاتفاق الأمني العراقي – الأميركي هامش المناورة لدى الرئيس الجديد في مسألة سحب قواته من العراق. فهل سيعطي الرئيس الأميركي الجديد الأولوية لمبادرة السلام العربية التي تجعل من القضية الفلسطينية المسألة المركزية وتتوخى الشمولية في السلام، فيسحب الورقة الفلسطينية من يد ايران وسورية ويعدّل ذلك من ظروف التفاوض معهما؟
يسعى كل فريق إقليمي الى التأثير في الأحداث خلال الأشهر المقبلة لتكون الإجابات لمصلحته. ولعل ما شهده مؤتمر وزراء الخارجية العرب في القاهرة نموذج عن هذا السعي. وليس صدفة ان يدافع الجانب السوري عن وجهة نظر حركة «حماس» في ما يخص توحيد الموقف الفلسطيني. فدمشق تريد إبقاء غزة ورقة في يدها، لأن اليأس الأميركي من المسار الفلسطيني عند إدارة أميركية ديموقراطية حليفة لإسرائيل يدفعها نحو إعطاء الأولوية للمسار السوري، أو في أسوأ الأحوال الى التفاوض مع دمشق حول تسهيل المسار الفلسطيني.
وليس صدفة ان يدعو وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الى اغتنام «المستجدات الدولية» بتوحيد الموقف الفلسطيني وأن ينوه بالاهتمام الذي عبّر عنه أوباما بمبادرة السلام العربية.
في اختصار، تشعر إيران وسورية بأن طريق انخراط واشنطن معهما ليست معبّدة بالاتفاقات السهلة، ولذلك فهما ستسعيان خلال الأشهر القليلة المقبلة الى التمسك بأوراقهما الفلسطينية وخصوصاً غزة، وستعملان (وخصوصاً دمشق) على ربح الانتخابات النيابية في لبنان وهذا ما يفسر الإدارة السورية المباشرة للعلاقات بين حلفائها، لحمل الإدارة الأميركية على الاستسلام لنفوذها فيه، وإلا دفعتا الى أوضاع تحول دون حصول هذه الانتخابات كما يروّج حلفاء دمشق وطهران، إذا شعرتا بأن هؤلاء الحلفاء سيبقون أقلية نيابية.
ويبدو ان من بين مقتضيات التهيئة لظروف ملائمة لحوار دمشق وطهران مع إدارة أوباما الهجوم على المملكة العربية السعودية واتهامها بدعم الإرهاب في لبنان، رداً على اكتسابها موقعاً حوارياً متقدماً مع الإدارة الجديدة عبر مبادراتها تجاه الغرب وواشنطن (حوار الأديان) ومشاركتها في قمة العشرين لمعالجة الأزمة المالية. فتكرار هذا الاتهام للرياض يوقظ اتجاهاً لدى الديموقراطيين يميل الى التشدد ضدها، قد يعطل دعوتها الى إعطاء الأولوية للمبادرة العربية للسلام..