الآخر
كأن، السؤال فاجأه أو كأنه كان ينتظره عندما سألنا هل أنت نادم عن ذلك الاعتذار العلني للبنانيين عن ممارسات تلك الحرب القذرة كما يصفها البعض والدفاع عن الوجود والكيان كما أرادها البعض الآخر، لكنه فاجأني وزملائي في وفد الخريجين الاعلاميين بعدما استغرق في التأمل كلا لست نادماً على هذا الاعتذار، فأنا اعتذرت عن قناعة واقتناع ولكن للأسف فإن بعض السياسيين قزّموا هذا الاعتذار غير ان اكثرية اللبنانيين فهمته على حقيقته، وانا قدمته مرات عدة لأن هذه هي قناعتي منذ ان خرجت من السجن.
هذا السؤال وهذا الجواب كانا كافيين ليحركا عند الحكيم الذي كان مذ عرفته قبل حوالى عشرين سنة مضت يحمل في عقله نزعة فلسفية إنسانية لم تكن بعد وصلت الى مرتبة النضج الكامل ربما بسبب حداثة سنه يومذاك وربما بسبب تلك الظروف التي كانت تتحكم بالجميع ولا سيما من هم في موقع المسؤولية القيادية.
وبدلاً من ان نستدرجه للغوص في الألاعيب السياسية، راح كمن يخرج لتوه من بين المجلدات يتحدث بشفافية الفيلسوف الحكيم الذي يختزن في عقله وفي عمق أعماقه، إنساناً آخر غير هذا الانسان. كما ظهّره الاعلام للناس، قائداً عسكرياً لا يعرف غير الحرب والقتل والانتصار مهما كان الثمن وبأي ثمن او الهزيمة اذا عز الانتصار.
هذا الانسان، اللامتناهي في شفافيته وتقربه من الإله الواحد، ومن الخير مرضاة لتلك الروح الوديعة التي لا صلة لها بهذا الجنون الفكري اللاإنساني الذي يعشش في داخل كل منا، وهذا السياسي المتلبس قناعاً غير وجهه الاصلي لكي يؤدي دوره في هذه اللعبة قبل ان يعود الى حقيقته عند الخالق الاعظم في الدنيا الابدية.
شعرت وشعر معي زملائي اننا نسبح في عالم آخر أتى به من لدن عالم اكثر من عقد من السنين في أقبية السجن، عالم الفلسفة الانسانية التي تشكل في مفهومها الاغريقي عالم الانفلات من الأنا والذات من عالم آخر هو عالم حب الآخر والاشفاق على هذا الآخر بسبب انغماسه في مباهج الحياة الفانية وتعميته عن الحياة الابدية. تلك الحياة يختم جعجع التي ربما والعلم عند الله جمعتنا نحن كمتخاصمين هذا هو الانسان الآخر الذي يعيش في جعجع السياسي رئيس <القوات اللبنانية> الذي يقول فيها انها حمل ثقيل على كتفي.
هذا الانسان الذي صقلته التجربة، وإتحدت نفسه بقيم جديدة تأتت من عالم الفلسفة الرحيب، حيث عكف في عالم الكهف على مراجعة تجربة السياسة والحروب، والاقتتال العبثي في عالم الحياة المتبدلة والمتصادمة فيها المصالح على مذبح الأنانية، واللعب على أوتار صارت من الماضي الضارب في غياهب النسيان.
سمير جعجع المثقف، الحكيم بالتعبير الاغريقي يعود الى الساحة من باب السياسة التي هي فن رفيع في إدارة المجتمع والدولة• يحسب الحساب لكل كلمة، يمحّص في الألفاظ، يتفرس في وجه الاحداث بحكمة قوية فقرأ الاتجاهات والمسارات، ويسبق الى أخذ الاحتياطات والمبادرات بمنطق الرأي قبل شجاعة الشجعان.