المسيحيون والجميّل والفدرالية
ماذا قال جديداً مسيئاً، الرئيس الاسبق الشيخ امين الجميل، حتى يقابل بهذه العاصفة من الاتهامات والشتائم؟ من يتبرّع من «الوطنيين» الاشاوس، «الغيارى» على الدولة والوطن، ويدّل اللبنانيين على النص الذي دعا فيه الرئيس الجميل الى اسقاط اتفاق الطائف، واقامة دولة مسيحية على انقاضه في حين ان بعض الذين يهاجمونه اليوم، ويبدون غيرة على الطائف، هم الذين يحاولون بناء دويلات خارج الطائف، وخارج الدولة.
اي ظلم هذا، واي قباحة ان ترتفع اصابع البعض وعقيرتهم باتهام رجل وشتمه، وهو الذي خسر فلذة كبده، وشقيقه وابن شقيقته، ورفاقه، الذي قدموا ارواحهم قرباناً على مذبح الوطن والدولة والعيش المشترك المكرّس باتفاق الطائف.
اهو فجور سياسي موروث منذ بداية الحرب على لبنان في العام 1973، ام انه قلوب ملآنة وليس رمّانة، هذا الحقد الجاهلي الذي ينتظر مناسبة ما حتى ينفجر؟ وعلى افتراض ان الرئيس الجميل اقترح حواراً عقلانياً للخروج بصيغة مقبولة لنظام حكم يعطي العدل والطمأنينة لكل مكوّن من مكونات الشعب اللبناني، ايكون قد وقع في الخطيئة المميتة وفي الخيانة العظمى، كما يحلو للبعض ان يوهم الناس؟ أليس من حق الرئيس الجميل، والدكتور سمير جعجع، وكل القيادات المسيحية الاخرى، روحية كانت ام سياسية، ان تبحث عن طريقة وحلّ، ومع الشريك الآخر، للمحافظة على الوجود المسيحي الحر والفاعل والمتفاعل مع باقي الاديان والطوائف، بدلاً من الوقوف مكتوفي الايدي وهم يراقبون كيف يذوب الوجود المسيحي في عدد من الدول العربية وغير العربية، ولا يستطيع او لا يقدّم الشريك في الوطن، سوى عبارات الاسف والاستنكار التي لا تحمي مسيحياً ولا تمنع تهجيراً او طرداً بقوة السلاح والكراهية.
الغيارى على اتفاق الطائف بالكلام، لماذا لا يجعلون همّهم، السعي الصادق لاقامة اللامركزية الادارية والسياسية الموسّعة ضمن الدولة الواحدة الموحّدة، وهذا الهدف منصوص عليه في الطائف، من ضمن البنود الاخرى الاصلاحية التي لم ينفّذ منها شيء، بدلاً من «تصيّد» موقف من هذه الفاعلية، واقتراح من ذلك القيادي، للانقضاض عليها بعيداً عن الصدق والواقعية والخطاب العفيف النظيف.
في الايام الاولى للحرب التي ارادتها المؤامرة ان تدور على الارض اللبنانية، كان يلجأ بعض الذين انغمسوا في هذه الحرب المأجورة الى اتهام المسيحيين بانهم انعزاليون، وكان هؤلاء في قرارة نفوسهم يعرفون جيداً ان العالم كله لا يتسع للانفتاح المسيحي، وبهذه الصفة التي اكتسبها المسيحيون من دينهم وثقافتهم وتربيتهم، انتشروا على مساحة لبنان كله، وفي العالم العربي والاسلامي، وفي العالم القديم، والعالم الجديد واينما حلّوا وعاشوا، كانوا من خيرة الناس جيّرة وتعاملاً وتعايشاً، ولكن ما العمل اذا كان التعصّب والتزّمت والشحن الطائفي والقوة العمياء، هي المسيطرة حالياً، حتى ولو كانت بين ايدي اقلّية لا علاقة لها لا بالدين ولا بالاخلاق، وما يجري في العديد من دول العالم، واخر فصوله كان في دولة الهند، خير دليل على ما نقول، فهل يلام بعدها المسيحيون، وغير المسيحيين، ممن هم ضمن دائرة اهداف هذا الجنون الطائفي، اذا هم فتشوا عن صيغة عيش تحميهم ليس من فتك التعصّب والارهاب، وحسب بل ايضاً من طرق عيش تفرض عليهم في اماكن تواجدهم كاقليّة.
لا نريد هنا، ان ننبش الماضي، ونذكر بما حلّ بالمسيحيين في العديد من المناطق، حتى في المناطق والاقضية التي كانت بمنأى نسبي عن الحروب والاحداث، ولكن هذا لا يعني ان ينتظر المسيحيون وصول الموسى الى ذقونهم في المناطق التي يشكلون فيها اكثرية السكان، وهذا امر يتجاوز القيادات المسيحية، اكانت في 14 آذار او 8 آذار، ويضغط عليها لاتخاذ مواقف تؤمن حدا ادنى من الاطمئنان الى يومهم وغدهم، وهذه القيادات بطبيعة الحال ملزمة بالاصغاء الى هواجس المسيحيين، والتعبير عن هذه الهواجس، لا علاقة له بمكاسب انتخابية او شخصية، كما يحلو للبعض ان «يفلسف» الامور، بل هو تعبير عن اقتناع فئة من اللبنانيين تشعر بغضب وألم لتراجع دورها ووجودها، بعدما كانت هي السبب في وجود لبنان كما هو اليوم، ولعبت دوراً طليعياً في اشراقة لبنان الثقافية والعلمية والفكرية، وساهمت بتفاعلها مع باقي الطوائف والمذاهب في جعل لبنان، وطناً مميزاً بنظامه الديموقراطي البرلماني الحرّ بين جميع دول المنطقة.
الرئيس امين الجميل، قال القليل مما يجول في صدور المسيحيين من عتب وقلق وتصميم، وكان من الواجب ملاقاته بصدر رحب، والاسراع الى فتح باب الحوار كما تمنى هو وعرض، واكثر ما يخشاه المسيحيون اليوم، بعد ردّة الفعل الظالمة على ما اعلنه الجميّل، ان لا تكون نيّات المعارضين بمثل صدق نيّة الرئيس الجميل.