اعترافات وقائع في عين الحلوة
مخيم عين الحلوة بؤرة إرهابية، وفي أضعف الاحتمالات ملاذ إرهابي بامتياز، لكل أصناف القتلة والحركات والتنظيمات الأصولية، تربطهم اتصالات وعلاقات وتحويلات مالية بالشبكات الأصولية الإرهابية الكبرى خارجه، من "القاعدة" الى "فتح الإسلام". ويعزِّز وجودهم في هذا المخيم ما لهم من امتدادات في المخيمات الأخرى، من الشمال الى الجنوب.
يستدعي ذلك طرح السؤال الكبير والخطير التالي:
هل موضوع ملاحقة حفنة من المجرمين بينهم قاتل القضاة اللبنانيين الأربعة في قصر العدل في صيدا، وهو عبد الرحمن عوض، هل هذا الموضوع ينبغي أن تُحصَر فيه مسألة الإرهاب والإرهابيين الذين روعوا آمنين من المواطنين ولا يزالون، لبنانيين وغير لبنانيين، وشاركوا في جرائم قتل ذهب ضحيتها سياسيون وعسكريون وإعلاميون وناس عاديون، أم أن المطلوب وبإلحاح هو رفع الغطاء عن المخيم كله، ووضعه في يد الشرعية اللبنانية تفرض فيه الأمن، وترفع عن كاهل سكانه مسلسل الترويع، وعن حياة اللبنانيين توجسات الإخلال بالأمن، والتفجيرات، والاغتيالات التي يبدو من خلال ما يتسرب من معلومات متعددة المصادر، أن لعصاباته دورًا أساسيًا في ارتكاب سابقاتها، ودورًا أساسيًا محتملاً في الإعداد لما يليها، إذا تراخت القبضة عنه، وشعر المجرمون بأن أيامهم ولياليهم باتت ملك أيديهم مجددًا.
ما يحدث من تسويق في موضوع تسليم المطلوبين من فلسطينيين وغير فلسطينيين في عين الحلوة، يدفع في اتجاه إنهاء عقدته بالأوجه الشرعية اللبنانية. إذ يبقى موضع استغراب شديد إبداء التنظيمات والهيئات الفلسطينية هذا العجز الواضح عن تسهيل مهمة القوى الشرعية اللبنانية، تارة بانتظار فتوى ما تجيز تسليم المطلوبين، وطورًا بإبداء استعدادات كلامية للتعاون، ثم إثارة إمكان البحث في تسوية توفر هذا التسليم بطريقة ما.
فجر الأربعاء من هذا الأسبوع، دهمت قوة من الجيش اللبناني بعد ترتيبات ميدانية وبناء على معلومات دقيقة، الحي الذي يختبئ فيه عبد الرحمن عوض، أمير "فتح الإسلام" الجديد، ودخلت الغرفة التي كان مختبئاً فيها، فلم تجده. وكانت الغرفة ملأى بثياب وشعور نسائية تنكرية درج عوض على التخفي بها كلما أراد التنقُّل داخل المخيم أو الخروج منه.
الطوق تضاعف بالتأكيد حول عين الحلوة، والجميع في أجواء حسم قضية المطلوبين في أسرع ما يمكن، قبل استفحال الوضع، وتمادي تمييعه الى حد زيادة البلبلة واحتمالات "تهريب" هؤلاء كما حدث في مرات سابقة.
عوض هرب إذاً من قبضة الشرعية. لكنه سيقع تحت أحكامها. لا بد من ذلك. كل المعنيين على قناعة بالأمر. إنما ماذا عنه حتى انتهى الى ما انتهى إليه، هو وجماعته؟
"المسيرة" تُقدِّم على حلقات قصص الأصوليين الإرهابيين، وفي البعض منها ما يقرب الخيال، وفي بعضه الآخر دلالات على لبنان الماضي، لبنان الساحة المفتوحة لكل أنواع الموبقات تحت شعارات الدين والقضية ومحاربة… الصليبيين.
لم يكن محمود خالد فندي، وهو سائق سيارة اجرة، يعلم أن عودته الى مخيم عين الحلوة في ذلك اليوم ستغيّر حياته كليًا.
ومحمود خالد فندي الفلسطيني الجنسية لم يكن يدرك أيضًا أن مسؤول حاجز التعمير علي محمد مصطفى الذي كان من عداد "عصبة الأنصار" وأصبح مسؤولاً في "فتح الإسلام"، يريد فقط التحدث في أمور الدين والإسلام داخل جامع الطوارئ في مخيم عين الحلوة.
بدأ فندي يحضر الخطب التي كانت تحث على نصرة المسلمين في بلاد الرافدين وقتال قوات الاحتلال الأميركي، كما يسمونها، والتي كان يلقيها عليه أبو شريف عقل. كان يصغي ويستمع باهتمام كبير ويحاول التقاط أدق التفاصيل وحفظها. تأثر بتلك الخطب حتى بدأ يتلقن دروسًا من أبو شريف عقل، يعاونه محمد علي محمد مصطفى، داخل الجامع عن طرق فك الأسلحة الحربية من نوع كلاشنيكوف وقاذف آر بي جي وتركيبها واستخدامها.
وبعد مرور بعض الوقت، تعرف فندق الى محمد مصطفى الملقب بـ "علي شريفة" وعبد الرحمن عوض الملقب بـ "عبد شحرور" اللذين شكلا مجموعات إرهابية تابعة لتنظيم "فتح الإسلام" داخل مخيم عين الحلوة وخارجه، فعرضا عليه الانضمام الى التنظيم. وافق بعدما وعداه بتحسين وضعه المادي.
وخضع مجددًا ةعلى الأثر لدورة تدريب على الأسلحة الحربية استغرقت شهرًا، وشاركه فيها مصطفى علي مصطفى وعبدالله سلام وفادي ميمادي. وما إن انتهى من الدورة حتى طلب منه شحادة جوهر الذي قتله أخيرا "اللينو" في مخيم عين الحلوة، الذهاب الى العراق لقتال الأميركيين، فرفض.
وأشارت معلومات دبلوماسية الى أن عبد الناصر شاكر دوالي وصالح أبو السعيد وشقيقه يحيى محمد أبو السعيد تابعوا دورة تدريب على الأسلحة الحربية التي خضع لها محمود خالد فندي. وبعد أيام قابل علي محمد مصطفى، الذي أبلغه أن مهمة المجموعات التي شكلها هي ضرب قوات الطوارئ من أجل تخفيف الضغط عن عناصر "فتح الإسلام" في نهر البارد، طالبًا منه الاستعداد لنقل متفجرات وعبوات ناسفة بسيارته التي يعمل عليها كسائق اجرة.
ولبّى فندي الأمر، لتبدأ عملية التنفيذ. وخلال شهر تموز من العام 2007، سلمه علي محمد مصطفى كرتونة تحتوي دواء للجلي ملفوفة بلاصق، الى عبوة ناسفة، فوضعهما داخل صندوق سيارته ونقلهما الى أحد الأشخاص في محلة أبو الأسود على مقربة من مدرسة جمجيم.
لم يكن فندي يدرك من هو ذلك الشخص الذي أعطاه مصطفى مواصفاته… فقط كان يتواصل معه من خليوي الى خليوي. وما إن وصل الى المكان المقصود، حتى تبيّن له أن ذلك الشخص هو رائف كايد، وتربطه به معرفة قديمة تعود الى فترة عمله ناطورًا في مدرسة صيدا المهنية حيث كان كايد يدرس.
وما هي إلا أيام، حتى تم تفجير عبوة ناسفة بدورية لقوات الطوارئ في محلة أبو الأسود. ونجحت العملية.
لكن لم تسلم الجرة في العملية الثانية، حين عاود فندي بأمر من علي محمد مصطفى نقل كرتونة الى محلة برج الشمالي في صور، وكان يرافقه ابن علي مصطفى، مصطفى، اللذان سلماها لسامر زاهي ابراهيم ونبيل طه اللذين كانا في انتظارهما قرب مدرجات ملعب كرة القدم. ومن ثم وضع ابراهيم وطه العبوة على طريق العباسية بعد رصد دورية لقوات الطوارئ. لكن عطلاً طرأ عليها فلم تنفجر.
ونقل فندي مجددًا عبوة أخرى إليهما، واضعًا إياها في كيس لمسحوق غسيل.
ولم يقتصر عمل فندي على نقل العبوات الناسفة فقط، بل نقل أيضًا رسالة ملفوفة بلاصق نايلون أعطاه إياها علي محمد مصطفى، ليوصلها الى مخيم برج الشمالي قرب عيادة الحليب التابعة للأونروا، ويسلمها لامرأة تدعى أم نادر سلمته بدورها رسالة نقلها الى علي مصطفى.
لم تكن الأموال المعطاة لفندي تكفيه هو وعائلته. فقد كان يتقاضى مبالغ مالية تتراوح بين الخمسة والعشرين ألف ليرة والمئة ألف ليرة عن كل عملية نقل عبوات.
وقبل أن يبيع سيارته أمره علي مصطفى بنقل كرتونة تحتوي عبوة ناسفة الى مخيم المية ومية، فأعطاها هناك لسامر الحتفي الذي كان في انتظاره بعد حاجز الكفاح المسلح. وكانت هذه عمليته الأخيرة.
لكن عمل عصابة "فتح الإسلام" لم يقتصر على شخص واحد ينقل عبوات، بل كانت العصابة تكلف أشخاصًا آخرين لا يعلمون ماذا ينقلون وبسيارة اجرة. فأثناء خروج سائق سيارة عمومية يدعى عماد حسن أبو عيد من مخيم عين الحلوة، أوقفته امرأة وسألته عما اذا كان يستطيع أن يوصلها الى مستشفى غسان حمود في صيدا. وقبل إقلاعه تقدم منه عبد الرحمن عوض وكلفه بنقل كرتونة تحتوي عشرين قنينة من دواء للجلي الى سوبر ماركت غسان الحاج في حي الحافظ قرب مطبعة خيزران مقابل ألف ليرة لبنانية. وما إن وصل صاحب السيارة الى هناك، حتى أطل شاب وأخذ الكرتونة.
وسام مسلم