اعتصموا ونددوا واحتجوا: كلها شيكات بلا رصيد؟!
الذين تابعوا الاعتصام الاحتجاجي على التعرض للزميل عمر حرقوص، لا بد وانهم لم يكونوا مقتنعين بجدواه وبأن ما اعلنوه بمثابة شيكات بلا رصيد، على رغم غزارة ما قيل على السنة مسؤولين وسياسيين وحزبيين ونقابيين، لشيء واحد اسمه غير وارد في اطار مهام الدولة الأمنية والقضائية!.
اما الشيء الآخر الذي لم يرد ربما في ذهن احد، فهو «لو اعتقل واحد او تم الاقتصاص من واحد، ام لاحق القضاء واحداً ممن تسببوا في احداث السابع من ايار الفائت، لكان بالإمكان توقع الاقتصاص الجدي من اولئك الذين تعرضوا للزميل حرقوص بالمحاسبة على طريقتهم الخاصة (…) القائمة على «بدعة السابع من ايار»؟!
الاعتصام والتنديد والاستنكار والاستهجان تسميات لا يتأثر بها الجاني ولا من يغطيه او يبرر تصرفه الهمجي.
لقد صدر عن الحزب السوري القومي الاجتماعي «اعتذار عالي المسؤولية». غير ان الحزب عندما برر ما حصل يكون قد فقد مسؤولية النظرة الى كون الحادث في غير موضعه. لذا كان من الافضل والأسلم عاقبة لو حمل المسؤولية مباشرة لمن اعتدى وليس لمن لم يعرف ربما مغبة تصرفه (…).
لذا، يخطئ من يعتقد او يتصور ان الاعتصام والاستنكار يكفيان لجعل المرتكب يفهم انه تخطى القانون وتجاوز حدود منطق التعاطي، كما تخطى امكان استبعاد حصول حادث لعنصر قومي او غير مستهدف من خطأ مباشر او من عملية مقصودة!
واذا كان الزميل حرقوص قد حصل على تأديب مناسب لما جنت يداه، فهل من بوسعه اعتبار الحادث نهاية مطاف التباين السياسي القائم في البلد، طالما ان بوسع كل طرف ان «يفلت جماعته» للدفاع عما يراه هو مناسباً بمعزل عن سلطة الدولة والاجهزة الامنية والقضائية، حتى وان كان هناك من يعتقد انه يمتلك بنية ميدانية وسياسية – فكرية مؤهلة لأن تنفذ ما يطلب او ما لا يطلب منها من غير ان تسأل عن العواقب؟!
الاعتداء على عمر حرقوص ليس الاول ولن يكون الاخير، لمجرد ان سابقة 7 ايار الماضي قد التأم جرحها على خطأ سياسي فضح الدولة بكل ما تعنيه الكلمة، خصوصاً ان التهم التي وجهت الى مسؤولين امنيين وعسكريين يومها لم تطرح للبحث والمناقشة، بقدر ما بقيت «حالاً سياسية نافرة» من ضمن الصراع على اثبات الوجود في البلد!
في 7 ايار 2008 سقط قتلى واصيب العشرات بجروح في احداث الشغب التي سميت اجتياحاً في العاصمة ومناطق في الجبل والبقاع والشمال، لم تقترن لحظة بموقف لجهاز امني او سلك قضائي. اي ان ما حدث قد سوي بطريقة الاكراه مثلما حصل مع عمر حرقوص، ومثل ما هو حاصل في مناطق قد «لا يستثمر فيها العض على الجرح»!
لقد دلت تجربة 7 ايار وما رافقها وتبعها ان من اعتصم لم يكن قادراً على الدفاع عن نفسه، كما دلت على ان من احتج وندد كان يعرف انه لجأ الى ما لا طاقة له على تحصيل حقه، واعترف ايضاً «اننا اصبحنا في دولة الشكل من دون المضمون»!
وما حصل بالأمس من رد فعل على التعرض للزميل عمر حرقوص، كان يمكن ان يقنع احداً بأن التصرف الحضاري لا بد وان يكون في صلب العمل السياسي الديموقراطي والمؤسساتي، لكن النظرة الى «استجداء الامن» شبيهة بالنظرة الى «استجداء احترام السلطة»!
في النتيجة، عندما يقال ان الاجهزة الامنية والسلطة القضائية غير قادرة على تحصيل حق المواطن، لا يكون الحق على قائد الجيش ولا على المدير العام لقوى الامن الداخلي ومدير عام امن الدولة والأمن العام ولا يكون الحق على وزير العدل ورئيس مجلس القضاء الاعلى والسلك القضائي ككل، «لأن كلاً من هؤلاء يحتاج الى من يغطيه ويدافع عنه، بل يمنع عنه الاعتداء والتشفي»، من غير حاجة الى الدخول في المؤثرات السياسية وسواها؟
سلامتك يا عمر (…) من حرقة قلب سواك؟!