تحالف 8 آذار بنى حساباته على "درس 7 أيار" ففوجئ بـ "عودة" جنبلاط إلى دوره الاستنهاضي وبالتوازن الداخلي المتجدّد
14 آذار "تقبّ" من جديد وهذا ما يوتّر"هم"
كيف يمكن تفسير المنسوب العالي من التوتر لدى فريق 8 آذار، والذي بلغ ذروته في الأيام الماضية بالتلويح بعدم حصول الانتخابات النيابية المقبلة ولو من باب إتهام 14 آذار بالتحضير لنسف الإستحقاق الانتخابي؟
العوامل الخارجية للتوتّر
في الجواب عن هذا السؤال، جرى التطرق بما يكفي في الفترة الأخيرة الى مجموعة عوامل خارجية تجعل فريق 8 آذار متوتراً على إيقاع توتر المحور الإقليمي الحليف، أي محور دمشق ـ طهران. ثمة توتر سوري "مفهوم" سببه الإنتهاء الفعلي للتحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتحديد موعد بدء المحكمة الدولية في الأول من آذار المقبل "بناء على ما تم إحرازه من نتائج" على صعيد التحقيقات.
وثمة توتر إيراني من إنتقال المجتمع الدولي الى مرحلة جديدة من "المواجهة" لملف إيران النووي، وهو ما "تستغله" إسرائيل للتهديد بضربة الى إيران. كما ثمة توتر إيراني ـ وسوري ـ من إبرام الإتفاقية الأمنية العراقية ـ الأميركية.
بيد أن تفسير المنسوب العالي من التوتر لدى 8 آذار بالعوامل الخارجية وحدها، يبقى قاصراً عن الإحاطة بالجوانب كافة ما لم يتسع للعوامل الداخلية. فماذا في هذه العوامل؟
حسبوا 7 أيار هزيمة ودرساً
قدّر "حزب الله" على رأس تحالف 8 آذار أن حركة 14 آذار هزمت في 7 أيار والأيام التي تلته. وأن مساراً تراجعياً لهذه الحركة بدأ وسيتوج في انتخابات2009. وأن "إتفاق الدوحة" كان عاكساً لهذا المسار التراجعي الإنحداري. وأن 7 أيار في حده الأدنى كان درساً لـ14 آذار لن تنساه، وإن هي تناسته يمكن تذكيرها به في أي لحظة يبدو معها انها عادت لـ"تقبّ" من جديد.
وقدّر تحالف 8 آذار وعلى رأسه "حزب الله" أن 7 أيار أفقد 14 آذار توازنها، بل إن 7 أيار بما هو تاريخ هزيمة لـ14 آذار ومشروعها، هو تاريخ تفكك وحدتها وسقوط هذه الوحدة الى ما لا نهاية.
كيف أدار "حزب الله" سياسته بعد أيار؟
وإذ بنى سياسته على هذه التقديرات، أدار "حزب الله" جدول علاقاته بالإجتماع السياسي اللبناني على نحوٍ لا يخفي تخطيطه لجعل كل شيء مؤجلاً الى أمد غير منظور أو معلّقاً حتى الإستحقاق الانتخابي ونتائجه على الأقل.
"بدا" في ما يتصل بما سمّي "المصالحة" مع "تيار المستقبل" أن "حزب الله" مهتم بـ"الصورة"، أي صورة اللقاء بين السيد حسن نصرالله ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري. بدا كذلك، لأنه في ما يتجاوز "الصورة" لم يُعلم أن قضايا رئيسية عديدة ممّا جرى الاتفاق عليه تمت معالجتها. وفي موازاة ذلك، وفيما نأى الحزب عن المهاجمة المباشرة لـ"تيار المستقبل"، فإنه سخّر إعلامه، لا سيما شاشته لحملات نفّذها "آخرون" سواء تعلق الأمر بـ"تقارير" إعلامية عن "الإرهاب" أو تعلق بالتحقيق والمحكمة الدوليين على لسان "المقاوم الأول" إميل لحود!
"المصالحة" مع "تيار المستقبل" ترجمت حملات وهجمات بـ"الواسطة" وإستبقاء لـ"الإشكاليات" على أنواعها.. بأفق الإستحقاق الانتخابي. و"المصالحة" مع "الحزب التقدمي الاشتراكي" لم تتجاوز "لقاء خلدة" الوحيد ولم "يجرؤ" على تحديد لقاء بين وفد قيادي منه وبين رئيس "التقدمي" وليد جنبلاط، على الأرجح لإعتبارات سورية راعاها "حزب الله". أما على صعيد "المصالحة المسيحية" فموقف سلبي منها. وفي كل الحالات "تفليت" لعون وإستخدام له، بحيث كلف الجنرال بأن يكون في "الواجهة". وتزامناً، لم يكن ليخفى لحظة واحدة أن مؤتمر الحوار في القصر الجمهوري في بعبدا مرشح لـ"إطالة الأمد" لأن النية منعقدة على تغيير موازين القوى السياسية، وميزان الحوار تالياً.
الى ما قبل شهر
الى ما قبل شهر تقريباً من الآن، كان واضحاً أن تحالف 8 آذار وعلى رأسه "حزب الله" يبني تقديره على أن 14 آذار مهزومة وفهمت درس أيار الماضي، وعلى أن المشروع الخارجي الذي ينسب الى 14 آذار الإنتماء إليه مهزوم هو الآخر.. والمسألة مسألة وقت و"تهرّ" 14 آذار في الانتخابات.
الى ما قبل شهر من الآن، كان تحالف 8 آذار وعلى رأسه "حزب الله" يبدو هادئاً أو "قليل العصبية"، فيما كانت حركة 14 آذار تُبدي "علائم" ضعف في ظل عدم وجود قراءة موحدة لما حصل في أيار وفي غياب تقدير موحد بأن ثمة فارقاً بين أن تكون 14 آذار تعرضت لـ"ضربة" بواسطة القوة العسكرية وبين أن تكون هزمت سياسياً.
هذا كله الى ما قبل شهر تقريباً من الآن. غير ان أموراً تعدّلت جوهرياً في الشهر المنصرم.
إعادة إكتشاف التوازن الداخلي
كان الشهر الماضي فرصة مهمة لأن تُعيد 14 آذار إكتشاف حقيقة توازن القوى الداخليّ، المائل بوضوح لصالحها. وهذا ما أعاد الفريق الآخر إكتشافه أيضاً في الوقت نفسه. وذلك ما تجلّى في الإنتخابات القطاعيّة ضمن المهن الحرّة كما في الإنتخابات الطالبيّة. وكان الشهر الماضي كذلك فرصة لأن تتعرّف 14 آذار الى ما يطلبه تيّارها الشعبيّ العريض منها، أي التوحّد واللوائح الموحدة في الإنتخابات، وأن تبدأ خطوات جدّية في هذا الاتجاه.
"عودة" جنبلاط دينامو الإستنهاض
وفي هذا الشهر الذي شهد إستنهاضاً متجدداً لـ14 آذار يضعها على طريق المبادرة السياسيّة من جديد، "عاد" رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط الى لعب الدور الذي يجيد، دور "الدينامو" الإستنهاضي داخل 14 آذار.
كان وليد جنبلاط، في تصريحه بعد لقائه البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الإثنين الماضي، واضحاً في الإعلان عن مصيريّة فوز 14 آذار في إنتخابات الربيع المقبل، وفي التشديد على أولويّة فوز الحركة الإستقلاليّة في هذا الإستحقاق. قال إنّ أحداً لا يمكنه إتهامه بأنّه آت من زيارته الى أميركا محرََضاً منها وهو الذي كشف انّ السياسة الأميركيّة ستمرّ مع الإدارة الجديدة في مرحلة يمكن للنظام السوريّ المعادي للحركة الإستقلالية أن يستفيد منها. وقال "إذا سقطنا في الإنتخابات، لن يكون رستم غزالي وأمثاله بحاجة للعودة الى لبنان، فيديروا لبنان من الشام، لكن إذا نجحنا نستطيع أن نستمر في الحوار بكل هدوء".
على الرغم من الإشكالية العميقة التي يعبّر عنها جنبلاط: تخسر 14 آذار الإنتخابات فتسقط ويسقط لبنان، تنجح في الإنتخابات فتحاور، فإن مواقفه توتّر الفريق الآخر. لم يقل جنبلاط "إذا نجحنا نحكم"، بل اكتفى بالقول "إذا نجحنا نواصل الحوار"… ومع ذلك، فإنّ تحالف 8 آذار وعلى رأسه "حزب الله" يعتبر ان مجرّد عودة رئيس "التقدمي" الى دوره الإستنهاضي مدعاة للتوتّر. فبنظر التحالف المذكور، إنّ ما عبّر عنه جنبلاط في الشهور الماضية يعني خروجه من 14 آذار أو التمهيد للخروج منها أو التهيؤ لفرطها. فماذا عدا ممّا بدا إذاً حتى يطل جنبلاط من بكركي معيداً الإعتبار لدور الكنيسة في معركة إستكمال الإستقلال؟
لكل ركن من أركان 14 آذار دوره، ولكل "طابق" فيها دوره ومكانه. لأحزابها وقياداتها وتيّاراتها السياسيّة دور. ولـ "رأيها العام" دور. ودور وليد جنبلاط انّه "الداعية" وهذا ما يوتر"هم".
14 آذار "تقبّ" مجدداً
إذاً، إضافة الى توازن القوى الخارجيّ، الغربيّ والدوليّ الموتِّر، ثمة توازن داخليّ يفيد أنّ 14 آذار تنتفض على درس أيّار. محكمة دولية + ضغوط عربيّة ودوليّة على النظام السوريّ + توازن داخلي "كمان"؟ ولذلك ليس مستغرباً أن يكون منسوب التوتر لدى 8 آذار عالياً، ولذلك ليس مستغرباً أن يفكر هذا الفريق بالعنف وبإستخدامه. هو فريق "قويّ" عنفياً نعم، لكن هل يظنّ ان هناك من سيستسلم لميزان العنف والقوّة؟