مع المحكمة الدولية الآتية
اعلان الامين العام للامم المتحدة بان كي مون عن انطلاق اعمال المحكمة الدولية الناظرة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري مطلع الربيع المقبل، هو تذكير بأن العدالة الدولية لا تزال ماضية في طريقها نحو هدفها، اي محاكمة قتلة رفيق الحريري ورفاقه، وقتلة سائر شهداء الاستقلال الذين سقطوا من اجل لبنان واستقلاله وحريته وسيادته. أمّا رد فعل بعض الجهات اللبنانية مثل الرئيس السابق اميل لحود المدافع عن ضباط مشتبه فيهم، فهو بمثابة استكمال للحرب التي شنها ويشنها القتلة واصدقاؤهم مباشرة او مواربة، منعاً لبلوغ اللبنانيين حقيقة ما جرى: من حرض؟ ومن خطط؟ ومن نفذ؟
في مكان آخر، يقع دفاع الجنرال ميشال عون عن المشتبه فيهم، وتحديدا في إطار الحملة المنظمة التي اطلقها منذ اغتيال سمير قصير في 2 حزيران 2005، واتقنها مع توالي الاغتيالات من جورج حاوي الى مي شدياق فجبران تويني، وصولا الى اللواء فرنسوا الحاج، والرائد وسام عيد. ففي هدف الحملة ان تصير الضحية هي الجانية، والقاتل ضحية. تماما كما قيل في موضوع "فتح الاسلام" حيث جرى حرف التهمة الى ضفة الضحايا. وعندما نقول ضحايا فنعني عشرات الشهداء من الجيش اللبناني (معظمهم من الشمال ومن فئة محددة) الذين سقطوا دفاعا عن لبنان، والشمال بمسلميه ومسيحييه! هذه الحقائق لا يراها الجنرال، بل يرفض رؤيتها. تماما كقراءته "الميغالومانيّة" للتاريخ، محاولا استعارة قماشة الجنرال ديغول، ومُسبغاً على الرئيس بشار الاسد قامة كونراد ادناور، المستشار الالماني الذي اعتذر لفرنسا قبل ان يزورها ويدفن العداء معها، يصنعا معا اوروبا الجديدة.
يوم عاد الجنرال من باريس سئل عما كان يقرأ في المنفى الفرنسي، فأجاب: "كتب الجنرال ديغول ". لكن الناظر في اسقاطاته التاريخية لمناسبة زيارته دمشق، يخال نفسه بإزاء إمرئ لا يقرأ، وان قرأ لما ادرك!. لكن لنعد الى موضوع المحكمة:
ان الاعلان عن قرب انطلاق المحكمة، ومغادرة محققي لجنة التحقيق الدولية لبنان، وانتقالهم الى لاهاي، يعني عمليا ان التحقيق انتهى، وان كل شيء صار جاهزا في انتظار تحول المحقق الدولي الى الادعاء، واصداره تقريره الاتهامي خلال أقلّ من تسعين يوما. من هنا اهمية المرحلة المقبلة، وخطورتها في آن معا. فالقاتل يعرف نفسه، مثلما يعرفه اللبنانيون، وتعرفه لجنة التحقيق الدولية. وهو لا يكل في العمل في سبيل الافلات من المحكمة. وكما استخدم الاغتيالات مرات ومرات في السابق، وحرك "التغطيات" اللبنانية المعروفة، فيمكن ان يلجأ الى الاساليب نفسها مرة جديدة. وهو المستند الى من يسميهم "الحلفاء" الاقوى على الساحة اللبنانية. ويعرف سلفا انه سيجد من ينظم الحملات دفاعا عنه، او تحويلا للانتباه عنه على النحو الذي قام به الحلفاء القدامى والجدد على مدى ثلاثة اعوام.
ان المحكمة يجب ان تكون عنوانا عريضا لمرحلة يصبح فيها الاغتيال السياسي المنظم مكلفا للانظمة التي تتوسّل الارهاب في المنطقة. كما انها يجب ان تصير مثالا تتعظ به القوى السياسية او الفئوية في اي كيان في المنطقة، فتجنح الى اللاعنف في ممارساتها، وتُقلع عن التوهم بأن السلاح الفئوي كسلاح "حزب الله" او غيره على الساحة اللبنانية في امكانه ترهيب احرار لبنان والعرب.
من هنا نفهم لماذا تؤرق المحكمة الكثيرين هنا وهناك.