وطن
أين هي البطولة في استفراد إعلامي وضربه في الشارع يا إخوان، وما هي هذه المعايير التي تفرض الاحتكام الى القبضات كلما تعطل العقل عند بعض من يدّعي العمل في الشأن السياسي الوطني العام، ومن الذي يستطيع ان يدافع عن منطق أعوج يرى أصحابه في كل مخالف لرأيهم عدواً مبيناً… وأي ثقافة هي هذه التي "تشع" في بيروت هذه الأيام ضد أهل الفكر والاعلام في الاجمال، والى أين ستصل تلك الممارسات والى أي مدى؟
لا يتوقع أحد أجوبة خارج المناخ السياسي القائم، ولا يتوقع عمر حرقوص وغيره من الذين أهينوا وضربوا بالنار وتعرضت مؤسساتهم للحرق والحصار والتوقيف والتعطيل، اجوبة عن أسئلتهم خارج مناخ عام تسري مفاعيله في أوصال منطق يُراد له ان يُعمَّم ويُسمم الدنيا وما فيها، لأن أهلها ليسوا على الهوى السياسي للفريق الممانع المرتاح على مخدة نظام البعث والغارف من صحن ادبياته وممارساته وارتكاباته المعروفة.
مناخٌ يا إخوان، فيه إعلام أحادي موتور يعرف ماذا تفعل سكاكينه وشتائمه وتخريصاته وتحريضاته في البلد والناس، ومع ذلك يستمر في ذلك. وفيه أداء سياسي لا يزال يعتقد ان الدنيا تُدار وفق نظرية "إما نحن وإما هم"، ويلتاع عندما يجرِّب ويفشل لكنه يستمر في ذلك مباشرة أو مواربة… مناخ تَعوَّد أصحابه الزجر والقهر، ووضع المسدس على الطاولة كلما حكّ أحدهم رأسه بحثاً عن فكرة أو لمعة تخالف اوامر النهي والقولبة المسبقة والاحادية وما الى ذلك من مفردات رعتها أنظمة الحزب الحاكم في كل زمان ومكان…
مناخ يفترض أصحابه ان طلاب الجامعات مثلاً، نخبة الناس، تُدار مناهجهم التعليمية والتثقيفية وتنضج نظرياتهم بالمال السياسي، لأنهم اختاروا الحياة في وجه محادل إلغائها وتحطيمها، والحوار في وجه الصدّ والصمت. وإعمال العقل في وجه تجّار الجهل والشعارات الفارغة. ولأنهم اختاروا وطنهم في وجه اوطان الآخرين، أياً كانت وأينما كانت، ولأنهم افترضوا ان صندوق الاقتراع يبقى أفضل وأجمل من صندوق الرصاص، وان الورق أكثر ديمومة من كرتون البارود، وان الشهادة الجامعية سلاح فتَّاك أكثر من ألف صاروخ!
… مناخ يريد أخذنا الى الحظيرة من جديد، مفترضاً اننا ما زلنا تحت وصاية الراعي السيئ، الذي يُحضر في كل مرة يريد أكل لحمنا، ذئاباً ربّاها بيديه ودرَّبها على السلخ ولم يتعب بعد.
افتراض خاطئ يا إخوان، وخطيئة أصحابه انهم لم ينتبهوا بعد الى اننا صرنا في وطن فيما بعضهم لا يزال في الحظيرة!.