أي لبـــــــنان نــــريـــــــد؟
من زمان طويل كان المرحوم الشيخ بيار الجميل الجد يرى المسيحيين عندنا ينتمون الى الثقافة الغربية والمسلمين الى الثقافة العربية وتغاضى عن ان الأديرة المارونية باعثة للثقافة العربية وعن أن المثقفين المسلمين لايتنازلون عن ثقافتهم الغربية. صلاح ستيتيه مثلا يكتب الفرنسية ببلاغة لم يتجاوزها مسيحي. المغاربة معظمهم يكتب بالفرنسية. وهل ننسى ان أهم عالمين بالعلوم الطبيعيّة في لبنان كانا مسلمين شيعيين وهل نجهل ان اهم علماء الإسلاميات هم آباء يسوعيون؟ هذا التفريق الى معسكرين فكريين سقط. اذًا لا نزاع يبقى على المستوى الثقافي ولا انتماء فكريا مزدوجا في بلدنا.
في المجال السياسي واضح ان المتقربين من ايران هم من كل ديانتي هذا البلد. وفي الفكر أيضاً ايران تقرأ الثقافة الفارسية القديمة بنهم وتحس بأنها آرية. ولو تعلّمت العربيّة في الثانويات. في الوقت نفسه تنزع الى الحضارة الأوروبيّة والشرائح المتغرّبة فيها لا يزعجها أحد في السلطة والقرآن العربي المبين فيه مفردات من الفارسيّة وغير الفارسيّة. والموسيقى العربيّة في مطالعها فارسيّة وفي مسيرتها تركية وفيها عناصر غربية مع محمد عبد الوهاب والرحابنة. معنى ذلك ان ليس عليك ان تقف موقفاً حاداً صارماً بين الفرس والعرب.
أما الخيارات السياسيّة ففي تقلّب دائم. على سبيل المثال الغرب كان يعني لنا الاستعمار. والآن يقدّم نفسه دعامة للعرب كبرى. أميركا تستتبع بعض عرب لكنها لا تريد هذا الاستتباع عداوة لإيران. ما يهمّ الولايات المتحدة الوحدة النفطيّة التي تجمع العرب وإيران. وكل خبراء السياسة الخارجية يميلون الى القول إن أميركا لن تقصف ايران وان اسرائيل لن تجرؤ على ذلك لئلا تعرّض نفسها لرفع الغطاء الاميركي عنها.
الذين يرون هويّة لبنان في صداقة الغرب لا بد ان يعرفوا ان الغرب السياسي هو فقط أميركا وان اوروبا لا تتمتّع في السياسة الخارجيّة الا بالهامش الذي تتركه لها أميركا. الباقي ثقافة وعواطف تقليدية نحو الشرق. على الصعيد السياسي ليست أوروبا حاسمة. لقد ولّى نظام الحمايات الذي فرض نفسه بانتهاء حوادث الـ1860 وبعد زوال الانتداب. واذا لم تقم روسيا او الصين بدرجة أدنى فعلى اللبنانيين ان يفكّروا مليا في الحليف الجدي الذي يختارونه. أميركا ليست صديقة أحد الى الأبد. وهذا اذا قامت من كبوتها المالية الحاليّة. لا يستطيع لبنان ان يركّز سياسته الخارجيّة على أميركا. ان هذه لم تقتنع ان لبنان معشوقها. لا يمكن تغيير الأم الحنون.
فلنصادق أميركا الى حين وفي حذر (أي حسبما يوافق مصالحنا). ولنقف على مسافة معقولة من كل بلد بما في ذلك البلدان العربية وهذا يعني طبعاً الابتعاد عن سياسة المحاور.
أما مسألة ولاية الفقيه فخيار شيعي والجدليّة كلها شيعية. والذين يأخذون بهذه الولاية لهم ان يقولوا اذا كانت تشمل أوامر عسكرية تصدر عن الفقيه. هذه تصبح، اذ ذاك، جدليّة وطنيّة. ولكن بصرف النظر عن ولاية الفقيه سياستنا تجاه الجمهورية الايرانية الاسلامية مسألة من مسائل سياستنا الخارجية. وهذه تبحث بين دولة ودولة. وهي مرتبطة بعوامل كثيرة ومتغيّرة. من هنا أقول ان الذين يجعلون آمالهم في الولايات المتحدة ليس عليهم ان يرتضوا آليا موقفها من قضية تخصيب الاورانيوم في ايران. لماذا عند اسرائيل رؤوس نووية (اي قنبلة ذرية) ولباكستان الاسلامية القنبلة الذريّة؟
هل يهم أميركا أن نماشيها في رغبتها في معاقبة ايران. ماذا نستطيع ان نقدّم لها؟ اذا كانت الولايات المتحدة تسعى الى توازن مع العالم الاسلامي بما فيه ايران اولا فنحن لا نقدّم ولا نؤخّر في هذا التوازن.
المسألة التي تبقى في سؤال "اي لبنان نريد" هي مسألة الحرية والديموقراطية. في بلد مولّف من 18 طائفة لا احد يجرؤ على ان يقول انه يريد الحرية لقسم من اللبنانيين دون آخر. فالإسلام باقٍ في لبنان الى قيام الساعة والمسيحيّة كذلك وأئمّة المسلمين وزعماؤهم يناشدون المسيحيين الا يهاجروا وانا اؤمن انهم صادقون لمعرفتهم بما قدم المسيحيون ويقدّمون لعزة هذا البلد وللونه الخاص في دنيا العرب… هل قرأ المسيحيون في آخر انجيل متى ما قاله المخلص: "انا معكم (ومعكم في لبنان) حتى منتهى الدهر". لماذا اذاً يشكّون في استمرارهم؟ المسلمون العقلاء يكرهون التطرف والإرهاب ويخشونه كما يخشاه المسيحيون لأنهم يريدون البقاء اسيادا في لبنان حر وديموقراطي.
وما يذهلني ان سياسيي هذا البلد اتفقوا على الديموقراطية التوافقيّة التي لا تعني شيئا في الفلسفة السياسيّة. الديموقراطيّة تقوم تحديدا على تنافس بين اكثرية حاكمة واقليّة غير حاكمة وعلى التداول عندما تتكلم عن انتخابات حرة تكون مقتنعا بأن الديموقراطية التوافقيّة لا معنى لها. وعجبي ان الأفرقاء المتخاصمين اليوم يريدون شيئاً واحداً جامعاً بينهم وهو الديموقراطية التوافقيّة أي في السياسة الخارجيّة التوازن بين الغرب العلماني والشرق المسلم.
نظريا أيضاً او كلاميا اللبنانيون متفقون على ضرورة علاقة الندية والود في آن واحد مع سوريا. العلاقات العملية خاضعة للنقاش لتأمين الندية والود. وهذا ينبغي ان يكون صحيحا، صادقا. والصدق هنا يعني صدق الطرفين واقتناع كل طرف ان الطرف الآخر موجود وانه يناقَش وان شيئا لا يُملى عليه. واللبنانيون الذين اختاروا الديموقراطية والحرية اختاروهما لأنفسهم وليست المرة الأولى في التاريخ تقيم الأنظمة الحرة على الطريقة الغربيّة علاقات سلاميّة مع أنظمة يغلب فيها التشدد. نحن نقيم صلات مع سوريا التي تحكم نفسها كما تشاء وهي لا تنتظر ان نعلمها الحرية كما نحن نفهمها. يخطئ من يريد البلد في أحضان سوريا كما يخطئ من أراد ان يقاطع النظام الذي يسوسها.
الشيء الوحيد الذي نرجو ان يلهمه الله سوريا ان قراءة للتاريخ حادة بحيث تقرّ في وجدانها ان لبنان بلد قائم بنفسه وحر في سياسة خارجيّة له لا تعادي سوريا. ربما اخذ هذا ردحا من الزمن والسياسة ممدودة على الزمن وتتخذ خطوات عمليّة لتكتمل. المبتغى ان تؤمن سوريا بنا كما نؤمن نحن بها.
الأمر الهام هنا ان سوريا ولو ببطء تسير نحو حل الخلاف بينها وبين اسرائيل بمفاوضات غير مباشرة بانتظار التفاوض المباشر ومعنى ذلك انها آخذة بالتقارب مع الغرب وتاليا بردم الهوّة بينها وبين الفريق اللبناني المحسوب على الغرب. لا يعني هذا انها ستتخلى عن تقاربها مع ايران الذي ينتظر حركة مصالحة مع الرئيس المنتخب أوباما. طبعاً من المبكر ان نتوقّع تفاهماً سريعاً بين ايران وأميركا. غير ان النزاعات في التاريخ لا بد ان تنتهي الى سلم.
اذا كان هذا التحليل على شيء من الصحّة فإنه يعني ان الفرقة بين اللبنانيين المتنازعين أضيق مما كان يظنّ وانه حان وقت الهدوء والثقة بيننا لنقيم على فلسفة سياسيّة نابعة من مشاكل البلد حتى نقترب من وحدته بحيث نتفق على نوع من التوازن في سياستنا الخارجيّة بين الشرق والغرب. ولا نخشى ان يهتزّ لبنان حتى مشارف الزوال.