استبعاد تسليم المفقودين والمعتقلين إلى عون خلال زيارته سوريا
دمشق تعزّز أوراقها الجديدة حيال الحكم والواقع الداخلي
لا يبدو، وفق معطيات موثوق بها، ان دمشق ستعطي النائب العماد ميشال عون خلال زيارته المرتقبة لسوريا الاسبوع المقبل المفقودين والمعتقلين اللبنانيين من زمن وصايتها على لبنان واجتياحها قصر بعبدا والمناطق الشرقية ايام وجود عون في القصر الجمهوري، والذين لا تزال كل الملفات تفيد عن احتجازهم من الاجهزة الامنية السورية.
فهذا الامر يبدو مستبعدا لاعتبارات متعددة، من بينها ان رئيس الجمهورية بحث في هذا الملف مع نظيره السوري بشار الاسد ولم يسفر عن نتيجة، وسيكون اعطاء المعتقلين للعماد عون رسالة سياسية قد لا تصب في مصلحة دمشق باعتبار انها سبق لها ان نفت وجود معتقلين لبنانيين لديها، وان اي تعامل من دولة الى دولة غداة اقرار اقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين يفترض ان تسلك هذه المسألة طريق المؤسسات، اي عبر الرئيس ميشال سليمان والا بدت سوريا كأنها تلتف على هذا القرار، علما ان اوساطا عدة تعتبر انها تفعل ذلك عبر استعادة علنية للاستقبالات التي يقيمها الرئيس السوري لحلفائه من السياسيين اللبنانيين على نحو لا يفيد منطق تعامل من دولة الى دولة، لا من الجانب السوري ولا من جانب اللبنانيين المتوافدين مجددا على العاصمة السورية.
ويقول مراقبون ان دمشق هي في حال ترقب ازاء اي ردود فعل دولية سلبية قد تثيرها مثل هذه الخطوة. وقد افيد عون، وفق ما تردد، بواقع عدم تقديم المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية هدية اليه، اي المفقودين خصوصا وليس المحكومين، في زيارته لسوريا الامر الذي جعله يخفف من التحليلات والتكهنات التي انصبت على هذا الامر في المدة الاخيرة في اطار تبرير الزيارة واعطائها ابعادا داعمة في الاوساط المسيحية. وقد اشار عون الى ان هذا الملف في عهدة رئيس الجمهورية مما خفف من خيبات محتملة حيال نتائج الزيارة وخصوصا لدى المسيحيين.
ومع ان الزيارة تندرج، وفق كل المعطيات، في خانة تعزيز الاوراق الانتخابية والتحالفات المرتقبة للعماد عون في الانتخابات المقبلة، ويكاد يلتقي على ذلك معظم المراقبين المحليين والخارجيين، فان بعض هؤلاء ينظر الى الموضوع من زاوية احتمالات توفير هذه الحركة مزيدا من الاوراق لسوريا في الداخل. وثمة من يسأل باهتمام عما اذا كان ذلك سيشكل وسيلة للضغط على رئيس الجمهورية من خلال فريق مسيحي حليف لسوريا، والى اي مدى، علما ان رئيس الجمهورية تربطه علاقة صداقة شخصية بالرئيس السوري، لكنه في موقع الندية ومسؤول امام الدستور عن المحافظة على كرامة لبنان. لكن لسوريا وسائلها في استخدام الاوراق التي تملك للضغط حين لا يبدو قرار لبنان الرسمي مناسبا لها من اعلى موقع في السلطة ومن دون ان تظهر متدخلة على نحو يثير الحساسية حيالها من خارج على العودة الى التدخل في السياسة اللبنانية الداخلية والتأثير عليها. وتردد ان دمشق كانت في وارد تحديد موعد لزيارة عون في 25 من الشهر الحالي بالتزامن مع الزيارة التي قام بها الرئيس سليمان لطهران قبل معالجة الامر وارجاء موعد الزيارة. كما لاحظ كثيرون مثلا الاتصال بين الاسد وسليمان قبيل توجه الرئيس اللبناني الى المشاركة في مؤتمر حوار الاديان الذي دعت اليه المملكة العربية السعودية وتبنته الامم المتحدة، في حين انطلقت انتقادات من حلفاء لدمشق مبطنة بالتهديدات ولم تهدأ حتى بعد اطمئنانها الى الخطاب الذي القاه الرئيس سليمان في نيويورك، مما اثار اسئلة كبيرة حول الضغوط المعتمدة مباشرة او بالواسطة على رئيس الجمهورية.
وتثار اسئلة في الاطار نفسه عن استخدام دمشق الورقة الجديدة وسيلة ضغط على الكنيسة المارونية ايضا التي لا تلتزم سوى علاقات ديبلوماسية ندية وصداقة محترمة بين الدولتين اللبنانية والسورية، علما ان ذلك قائم راهنا، ومدى الضغط الذي سيحصل، وكذلك بالنسبة الى سائر الوضع الداخلي قبيل الانتخابات في الدرجة الاولى وبعدها ايضا.
اما في الناحية الاخرى من الميزان فان المراقبين انفسهم يتوقعون ان تصب كل هذه الحركة في خانة تعزيز موقع النائب السابق سليمان فرنجيه على المدى القريب، والاهم على المدى البعيد نسبيا، اقله في الحسابات السورية على ما يعتقد.
ولا يخفي هؤلاء اعتقادهم ان التطبيع الخارجي مع العاصمة السورية، وخصوصا الاوروبي، وفر لها اعادة تعزيز اوراقها الداخلية في لبنان كما وفر غطاء لمن يرغب في ان يفتح الابواب امامها لذلك مع الافرقاء اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون مثل هذه الخطوات. الا ان المسؤولية الكبرى تبقى مسؤولية اللبنانيين على غير المستوى الرسمي قبل الدول الغربية صاحبة المصالح في المنطقة، فضلا عن الاعتبارات الخاصة في تأمين هذا الغطاء لدمشق من اجل اعادة تثبيت حضورها على اكثر من مستوى في لبنان، علما ان الدول الغربية ليست في موقع لبنان جارا لسوريا الطامحة الى اعادة نفوذها وقرارها فيه. الا ان واقع المعطيات عن المفقودين اللبنانيين لا يلغي الترقب تحسبا لمفاجآت تظل قائمة في كل الاوقات بالتزامن مع ترقب انعكاسات التحول الجذري كليا من طرف مسيحي اساسي خاض حربا ضد سوريا التي ظلت على عداء دائم مع المسيحيين، وذلك على رغم بعض الهدنات خلال الحرب على المسيحيين عموما ونظرتهم الى الامور بعد هذا التحول