#adsense

مرحلة تسويغ الجريمة بعد البيان الاتهامي

حجم الخط

مرحلة تسويغ الجريمة بعد البيان الاتهامي

"تأمل هنالك أني حصدت
رؤوس الورى وزهور الأمل
ورويت بالدم قلب التراب
وأشربته الدمع حتى ثمل
سيجرفك السيل سيل الدماء
ويأكلك العاصف المشتعل"
أبو القاسم الشابي
المهداوي
"اللهم… اللهم… إبعت للمهداوي حمى…"

منذ خمسين سنة كان فاضل عباس المهداوي نجم الإذاعة الأول! هو ابن خالة الزعيم عبد الكريم قاسم (قائد أول انقلاب عسكري في العراق) الذي كان المثال الأعلى للمهداوي والزعيم الأوحد: (ماكو زعيم إلا كريم) كان المهداوي يبدأ استجواباته للمعتقلين السياسيين صارخاً بأعلى صوته: اسمك… عمرك… وقبل أن يسمع الجواب يكمل: متآمر… عميل… عدو للثورة.
وكانت المحاكمات تذاع عبر الإذاعة وكان جمهور المستمعين كبيراً فمن كان يملك جهاز راديو في ذلك الوقت لا يمكن أن يفوت تلك المهازل التي أصبحت مضرب مثل عن المحاكمات التي كانت تجري تحت حكم الزعماء، الصاعدين الى الحكم على ظهور الدبابات.
كانت محكمة المهداوي يطلق عليها رسمياً اسم "المحكمة العسكرية العليا الخاصة" أو "محكمة الشعب".

الاستبداد والشعبوية

في خضم حفلة الجنون التي اجتاحت بعض العالم العربي منذ دخوله في عهد أنصاف الآلهة من ضباط وانقلابيين اغتصبوا السلطات في غفلة من الزمن، تحت شعارات فارغة المضمون، وإن بدت براقة وجذابة في الفترات التي تلت النكسة في فلسطين سنة 1948 والهزيمة في حرب حزيران سنة 1967، والى ما هنالك من سجلات مشرفة لهذه المنظومة.

البارز في هذه الفترة كان التهمة الجاهزة لكل من يعارض القائد الملهم، فهو في أقل تعديل رجعي، ليتدرج الى رتبة عميل لإسرائيل والامبريالية والاستعمار، والعقاب يتدرج عادة من الاعتقال من دون محاكمة الى آجال غير محددة، تفوق عادة طول عمر الضحية، أو الإعدام بعد الخضوع لمحكمة ثورية.
كل ذلك كان يحدث تحت انظار وأسماع الشعوب المأخوذة بالشعارات، والمسطولة بإلهام وحكمة القائد.

في تلك الفترة أيضاً كانت الأنظمة الاستبدادية محمية بمنطق الحرب الباردة، فكانت للولايات المتحدة أنظمتها التي كانت تتغاضى عن جرائمها وتحميها من المساءلة، وللشرق طبعاً أنظمته المحمية تحت لواء المنظومة الاشتراكية، أو الديموقراطيات الشعبية، أو الدول ذات التوجه غير الرأسمالي، الى ما هنالك من تعابير أصبحت من الماضي المشؤوم بعد أن تبدد النظام السوفياتي وتبعثرت منظوماته الى دول مكشوفة أمام عصف الرأسمالية العالمية وقوانينها. وتخلت في نفس الوقت الولايات المتحدة عن أنظمتها المستبدة في كثير من أنحاء العالم في ضغط متواصل من شعارات حقوق الإنسان والعدالة والحرية.

التحول الإلزامي

عملياً، دفع هذا التحول الانظمة العربية الاستبدادية الى استبدال أساليبها القمعية والدموية المفتوحة، بمظاهر أكثر ملاءمة مع روح العصر، ومع ثورة المعلوماتية ووقاحة الصحافة التي لم تعد تترك مجالاً لأي نظام بالتستر عن جرائمه، وحرمت الحاكم من نعمة الإلهام والحكمة التي كان يتمتع بها أمام شعبه، بعد أن أصبحت الانتقادات والتجريحات به تدخل الى كل بيت من خلال الصحون اللاقطة ومن خلال الانترنت.

كما أن منظمات حقوق الإنسان "الثقيلة الدم" أصبحت تتدخل في كل شاردة وواردة، ولم يعد اعتقال أي معارض سياسي مسألة سيادية، لأنها أصبحت جزءاً من الاهتمامات ذات الطابع الأممي.

باختصار، لم يعد من الممكن لأنظمة الاستبداد بأن تقرر إنهاء حياة إنسان حتى ولو اتهمته بالعمالة لإسرائيل والامبريالية، وأصبحت مجبرة لأسباب اقتصادية وديبلوماسية بأن تتبع معايير الحد الأدنى من العدالة والقانون على الأقل في الظاهر.

جريمة العصر

ومع كل ذلك، فلقد ظن النظام السوري بأنه سينجو بفعلته مرة أخرى، كما كانت تجري الأمور في أيام الستار الحديدي. لذلك لم يكن هنالك حرج من أن يفلت أبواقه المعروفة منذ ما قبل التجديد لاميل لحود الى يوم 14 شباط 2005… تلك الأبواق المشؤومة والمعروفة وإن كنت أأنف الآن عن تردادها. وأذكر في ما أذكر أن محطة الجزيرة الفضائية استضافت لساعات إحدى الشخصيات المريبة التي بدأت تكيل كافة أنواع الاتهامات للرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن ضمنها بأن طائرته حطت يوماً في مطار هرتزيليا!

عملياً، فقد كان قرار الإعدام متخذاً وما كان على القتلة إلا تركيب محكمة مهداوي جديدة كان أبطالها الهزليون جملة من الأبواق الساقطة.

تسويغ الجريمة

في ما يشابه زلة لسان، ومنذ أكثر من سنة صرح أحد طباخي الوجبات المخابراتية في أحد محطات التلفزة بما يلي: "أولاً لا يوجد حتى الآن اثباتات معلنة بأن الحكم في سوريا اغتال رفيق الحريري، ولكن، وإن كان هناك اثباتات واضحة فيجب علينا أن نسأل لماذا اغتالت سوريا رفيق الحريري"!

لذلك، فإنه من المنطقي أن نتوقع موجة هائلة من الاتهامات التي لن يكون لها حصر عن المسوغات التي أدت الى قرار "الإعدام" بالتزامن مع البيان الاتهامي الذي سوف يصدر في أوائل السنة القادمة. سوف يحاول النظام القاتل ايجاد التهم الكافية حتى يتمكن بحركة شعبوية من تحشيد الجماهير حول صوابية الاغتيال، بعد فقدان الأمل بالتملص من مفاعيل المحكمة. وطبعاً سوف تنبري نفس الأبواق، وربما أبواق أخرى في حملة الاتهام بالعمالة للرأسمالية والاستعمار والصهيونية والماسونية وربما غيرها من الصفات التي لن تتعدى التهم المهدوية، ولكن معظم الناس أصبحت تعلم بأن العدل أقوى وأبقى من الشعارات الفارغة التي أودت بشعبنا الى المهالك.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل