"الطريق الآخر" إلى إيران وسوريا
نشرت جريدة "النهار" صبيحة عيد الاستقلال الـ65 حديثاً مع رئيس تكتل "التغيير الإصلاح" النائب ميشال عون تمحور حول زيارته الى دمشق وصفتها الإعلامية هيام القصيفي (صاحبة الحوار) بالمحطة المفصلية لقائد سابق للجيش شن "حرب التحرير" ضد سوريا.
وعلى غرار الكثير من أحاديث الجنرال عون وتصريحاته عقب اجتماع كتلته الأسبوعي، جاء على لسانه في الردود على أسئلة قصيفي الكثير من المغالطات وتزوير الحقائق الى نرجسية تقترب من محاولة "تطويب" نفسه على جمهور تحركه الغرائز والأحقاد والأيام الحالكة السواد من تاريخ لبنان.
في رد على سؤال حول هل يذهب عون الى سوريا مع رفاقه الذين استشهدوا أو من دونهم، قال الجنرال:
"نحن قمنا وحدنا بالحركة الاحتجاجية على العلاقة مع سوريا حين كانت في لبنان.. إلخ".
هل نسي الجنرال (أو يتناسى على الأرجح) القائد كمال جنبلاط، والمفتي حسن خالد، وبشير الجميل وغيرهم من القادة والوطنيين الذين قالوا لا للنفوذ السوري، وصولاً الى تجمع قرنة شهوان الذين ما أغفلوا يوماً في بياناتهم ضرورة عودته من منفاه وخروج الدكتور سمير جعجع من سجنه السياسي؟
وحول موضوع "تنقية الذاكرة" من الصراعات الدامية، يجيب الجنرال مستعيراً سيرة رجل عظيم هو الجنرال شارل ديغول بالتالي:
"نحن لا نرفض تنقية الذاكرة. الجنرال شارل ديغول حين زار ألمانيا قال إن السلام يستأهل زيارة".
بموضوعية وقراءة مبسطة للتاريخ، لا يحق للجنرال عون تشبيه زيارته الى سوريا بزيارة الجنرال ديغول الى ألمانيا للأسباب التالية:
1 ـ زار الجنرال ديغول ألمانيا بعد أن ساهم (فعلياً) في تحرير بلاده الى جانب الحلفاء. في حين انتهت حرب الجنرال "التحريرية" بدخول القوات السورية منتصرة الى قصر بعبدا (قصر الشعب في عهده) ولجوئه الى السفارة الفرنسية بعد أن قطع الوعد تلو الآخر أنه لن يخرج إلا شهيداً من قصر الشعب.
2 ـ هل صحيح أن حزب "البعث" الحاكم في سوريا (مقابل نهاية النازية في ألمانيا) بدّل نظرته الى لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة؟
لعلّ الإجابة الأفضل عن السؤال تأتي على لسان رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون في ختام زيارته للبنان الأسبوع الماضي قائلاً:
"إن إقامة علاقات طبيعية بين لبنان وسوريا وفتح سفارتين بين البلدين قد أعلنا. لكننا نرى أنه يجب أن ترافق ذلك اعترافات واضحة وصريحة باستقلال لبنان وسيادته".
وإذا كان ثمة تغير بالرؤيا السورية، أليس من الحري أن يصدر عن هذه السلطة الى العلن وليس على لسان الجنرال؟
3 ـ أشارت وزيرة الدولة الفرنسية للشؤون الخارجية وحقوق الإنسان راما ياد (المرافقة لرئيس الوزراء فيون) الى ملف يتجاهله العماد عون عن سابق تصور وتصميم حين قالت إن بلادها تنظر الى موضوع المفقودين اللبنانيين في سوريا إنطلاقاً من احترامها لحقوق الإنسان، وأكدت "تمسك فرنسا ببدء المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عملها..".
المسيحية.. تكراراً
وتبلغ "المتاجرة بالمسيحية" أوجها (سبق استعمالها لدى زيارة إيران بذريعة الدفاع عن مسيحيي العراق) حين يقول الجنرال عون:
"زيارة الشام مهمة بالنسبة إليّ كمشرقي مسيحي فهي مهد المسيحية.. ومن الجميل جداً أن نذهب لزيارة قبر مار يوحنا في الجامع الأموي..".
لعل الزيارة تكون مناسبة لرفع القمامة عن قبر مار مارون، حيث نشرت صحيفة "النهار" أيضاً في عددها الصادر بتاريخ 16/11/2008 تحقيقاً حول تحويل قبر مار مارون في كنيسة مار جوليانوس في براد (حلب ـ شمال سوريا) الى مكب للنفايات والصرف الصحي! علماً أن مسألة ترميم قبر مار مارون والحفاظ على الآثار المارونية في قلعة "كالوتا" (50 كلم من مدينة حلب) خضعت ولا تزال للابتزاز السوري وغايته زيارة البطريرك الكاردينال نصرالله صفير الى تلك المنطقة مروراً (طبعاً) بدمشق العاصمة ومقاماتها السياسية!
الى ذلك، من المعيب أن يتناول الجنرال في حديثه المسألة المسيحية في الشرق عامة وفي أحاديثه تعدٍ على قيمها وتعاليمها من خلال تكرار قوله: نحن دائماً على حق، يحق لنا أن نمشي فوق الأرض، نحن فوق إمرأة قيصر.. إلخ، وهل المطلوب من هذا كله إعلان "تطويب" الجنرال؟ وهل في هذا النوع من التصاريح روح مسيحية؟
أياً تكن نتائج زيارة العماد عون الى دمشق فهي لا يمكن أن تندرج في خانة "الوطنية" بمعنى الصالح الوطني العام. بل على العكس، ستكون أولى نتائجها إتساع الهوة بين جمهور 14 آذار التوّاق الى العدالة من دون التراجع عن شعار "لبنان أولاً"، وما تبقى من جمهور العماد عون الذي يُعاد "شحنه" يومياً بأحقاد الماضي وصراعاته العبثية وأكاذيب التوطين والأصولية وخلافها.
الآن يظهر بوضوح تفسير شعار البرنامج الانتخابي لنواب تكتل العماد عون والذي كان يحمل اسم "الطريق الآخر".