#adsense

قراءة في كتاب فايز قزي … «من حسن نصر الله إلى ميشال عون» الاندماج الممكن والانفصال الأهلي المستحيل

حجم الخط

قراءة في كتاب فايز قزي … «من حسن نصر الله إلى ميشال عون» الاندماج الممكن والانفصال الأهلي المستحيل

يحاول فايز قزي في كتابه «من حسن نصر الله إلى ميشال عون، قراءة سياسية لحزب الله»، تبيان أوهام التحالف، بين «حزب مغلق»، وتيار لبناني ذي شعارات سياسية محددة. يتضمن جلاء الأوهام تعرية مقولات لدى طرفي «التفاهم»، بحيث تنجلي الحقيقة «الشمولية»، لدى الحزب، وتبرز فئوية مرتكزاتها المذهبية، مثلما تتضح «طائفية التيار الوطني الحر»، وخصوصية المطالب الضيقة، التي تملي على قادته، ممارستهم السياسية. ولأن الحقائق الفعلية، التي تكمن خلف «التفاهم»، غير غائبة عن أذهان أصحاب النص التفاهمي، تصير العلاقات المتبادلة نوعاً من التواطؤ على إخفاء المصالح الذاتية التي تستظل فيء الشعارات الكبرى، وقبولاً متبادلاً بلعبة «الغموض الإيجابي السياسي»، المفيد للطرفين. أما في الوقائع، فإن المساواتية المفترضة، بين فريقين متحالفين، تصير التحاقاً من جانب الطرف الأضعف، بوزن الطرف الأقوى، وهذا ما يذهب الكاتب لتأكيده، من خلال «السرد واستعادة التاريخ والظروف والمعطيات»، التي أحاطت بنشأة «حزب الله»، وطبعت مسيرته «الجهادية» بطابعها المميز والمخصوص.

العرض الذي يقدمه «الكتاب»، عن «حزب الله»، معلوم، وخطوطه الأساسية تنساب يومياً في ثنايا المعالجات الفكرية والثقافية والسياسية التي تعرض لشؤون «المقاومة الإسلامية» في لبنان. عليه، توجه العناية إلى «المجهول»، والملتبس، في شؤون «الحالة الجهادية»، موضع الدرس، للإضاءة على منطق «تكوينها البنيوي»، وقراءتها في ذاتها، ثم إدراجها ضمن الإطار الكياني اللبناني الأشمل كي يكون ممكناً فهمها فهماً شاملاً، ومقاربتها من مداخل متعددة غير أحادية، أي النظر إليها، موضوعياً، بنظارات أخرى، غير نظارات أصحابها، مما يجنب المتابع الاختزال والإسقاط والتعسف في إصدار الأحكام.

الانطلاق الموضوعي، من الإطار اللبناني الأشمل، يشكل المدخل إلى تناول الظاهرة المحددة، وعلى هذا الأساس يمكن مشاركة الكاتب في نقطة ارتكاز معلومة، لإطلاق النقاش وتحديد نقاط الاختلاف والافتراق معه… ودائماً على أساس سياسي، يندمج فيه البنيوي بالتاريخي، بما يعين على فهم السياسي، فلا ينسبه إلى مكان آخر، غير الجغرافيا اللبنانية، ولا يستغربه، فيصنّفه كدخيل على «الصفاء اللبناني»، الذي لم يعرف الكدر، إلا مع ظاهرة سياسية بعينها! يلفت فايز قزي الانتباه إلى «البعد الأيديولوجي» لـ «حزب الله»، وهذا منطلق ضروري، لأنه لا يمكن استيعاب مدى الاندفاع الذي أظهره الحزب، في معزل عن التعبئة الأيديولوجية، التي هي، في حالته، تاريخ يتجدد، وزمان لا ينقضي، وعطاء لا ينقطع، وأمل لا يخيب، و «وعد حق» لا جدال في تحققه – لقد نجح الحزب في تأمين التفاف قاعدته الاجتماعية حوله، تحت سقف البناء الأيديولوجي، الجاهز والحي في وجدان الكتلة الشيعية… وهو لم يكن فريداً في بابه، في هذا المجال، بل إن كل «فكرة كبرى»، يسارية كانت أم يمينية، تتوسل التاريخ فتكثفه، وتعتمد البعد النفسي والثقافي، وتضيف إلى ذلك زخم طموحاتها وآمالها ومشاريعها، التي يلازمها «يقين» التجسد الملموس، فوق أرض الواقع.

حكمت نشأة «حزب الله» عوامل خارجية، احتل العامل الإيراني مقام الصدارة فيها، لسبب عقائدي ولسبب سياسي أيضاً. تحليل الأمر السياسي يسقط «مفهوم النجدة» الذي عرضه قزي منقولاً عن كتاب نائب الأمين العام لـ «حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم. تتضمن النجدة معنى المؤازرة التي تضيف إلى وضع مستقل، من دون التدخل في شؤونه، وتكون طوعية في طلبها، وفي قبولها، ويكون طالبها حراً في كيفية إدراجها ضمن جهده الخاص، وطليقاً في اتخاذ قرار الاستغناء عنها… مع الشكر الواجب لأصحابها. هذا كله لا ينطبق على إيران «المؤسسة» للحزب، بإجازتها الفقهية، والداعمة له في كل مجالاته التسليحية والتمويلية، والمنافحة عنه في كل جولاتها السياسية. إيران «داخلية» في بناء «حزب الله» وليست خارجية، هذه حقيقة ينبغي الإقرار بها، وعدم الركون إلى تفسيرات أو تعليلات «أهل المقاومة»، الذين يحيلون العلاقة إلى شكل من أشكال «الندية» التي لا تشهد لصحتها كل المجريات السياسية التي عرفتها «الساحة اللبنانية». إلا أن ما يجب الاهتمام به، هو أن «القرار الإيراني» استند إلى بنية داخلية محلية لبنانية، وإلى وجهة «أهلية» كان لها أصحابها ومنظّروها، والمنادون بها. عليه، لا بد من الوصول إلى خلاصة عامة تقول: ان «الخارجي» في لبنان ليس خارجياً، بمعنى الفرض والقهر والتسلط، لأن حوامله محلية، وأن «حزب الله»، حزب لبناني داخلي، بمقدار ما تتمتع به «التنظيمات الأهلية» الأخرى من «داخلية». جدل الداخل – الخارج، مسألة شائكة في لبنان، وتحليلها بدقة ينفي عنها صفة الاستتباع فقط، أو صلة التآمر حصراً، أو وضعية «المخابرات» تحديداً… ويعيدها (أي التحليل) إلى جادة النقاش البنيوي الذي يستبطن المصالح والحراك الاجتماعي وصعود الطوائفيات أو هبوطها، وتبدل مراتبها في مواقع الحكم اللبناني، ومعنى تشبثها كلها، بـ «النظام الطائفي» الذي تجاوزته الحداثة والمعاصرة منذ عقود طويلة.

تشبه العلاقة مع سورية بعضاً من وجوه العلاقة مع إيران. فإذا كانت هذه الأخيرة «مصدر التأسيس»، فإن الممر السوري، هو قاعدة الارتكاز التي مكنت للتأسيس، وسارت به إلى نهاياته الظافرة. مرّة أخرى، لن نتوقف طويلاً أمام «مقولة قومية المعركة» التي تسوغ الرعاية السورية للمقاومة الإسلامية، مثلما لن نطيل المكوث عند «إعلان إسلامية المقاومة»، التي تعطي الشرعية للدخول الإيراني إلى مجالات تتعدى حدوده. ما يهمنا هو تقاطع المصالح الإيراني – السوري، وكلٌ لحساباته، الذي وفّر الغطاء الإقليمي لـ «حزب الله»، ومهّد له السبل أمام فعله الداخلي، وأمّن له «إجماعاً وطنياً»، وفق وتائر سياسية تراوحت بين إعلان التأييد، والصمت على مضض، وما بينهما من مواقف متنقلة «تلبس لكل حالة لبوسها» خارج حكاية النشأة وعواملها، عرض فايز قزي لمسائل حساسة، تقتضي وقفة، لإعادة جلائها و «إيقاف قراءتها على رجليها»، بديلاً من أن توحي معالجة الكاتب أنها «محكومة بالوقوف على رأسها». مسألة الصراع مع إسرائيل، تحتل دائرة الضوء أولاً. لنقرر مع الكاتب، أن حياد لبنان غير ممكن، مع أنه أورد المسألة تحت عبارة «أنه ممنوع». عدم الإمكانية الحيادية، يتأتى من التركيب الداخلي للبنان، ومن طبيعة العدو الإسرائيلي، ومن استعصاء حل القضية الفلسطينية ومن استمرار تفاعل قضايا العرب عموماً… على رغم الفشل في تلمس الحلول الناجعة لهذه القضايا.

كي يظل النقاش مجدياً، يجب الانطلاق بالقول: اننا لا نختلف مع «حزب الله» في موقفه من الصراع مع إسرائيل، بل إننا نحتفظ برأي خاص في كيفية إدارة هذا الصراع، أي أننا نسعى للوصول إلى السبل الأنجع والأنجح، التي تضمن لنا تحديد الخسائر في صراعنا، حالياً، ليكون ممكناً، ذات يوم الانتقال إلى جني بعض من الأرباح. معادلة كهذه، تتيح مناقشة مسلك «حزب الله»، وسواه، من مدخل: أين تكمن المصلحة القومية؟ وكيف تتحقق المصالح الوطنية؟ وكيف لا ينفرد لبنان بقراراته، فينعزل؟ وكيف لا يظل ساحة مفتوحة لكل التجاذبات فينهار؟ وللتذكير فقط: لقد جرب اللبنانيون خياري «الانفصال الموهوم»، و «الاتصال المزعوم»، ودفعوا ثمن حساباتهم الخاطئة على شكل حرب أهلية ساخنة، ما زالت مفاعيلها «الباردة» تسري في عروق البلد حتى الساعة.

في ظل الصراع هذا، ومن خلال إعلان الانضمام إلى خطط إدارته، يفيد النظر في الحالات اللبنانية التي قاومت هذا التوجه، كي تكون النظرة شاملة، مثلما يفيد التدقيق في حجم الخسائر الحقيقية، التي ألحقتها بالتشكيلة اللبنانية. على هذه الخلفية، يفيد النظر في «معنى تهجير الشريط» الذي أشار إليه الكاتب، سابقاً ولاحقاً، أي قبل اجتياح العام 1982، وبعد تحرير الجنوب في العام 2000. في نظرنا، ان الذي أشعل «حرب الشريط الحدودي» بعد 1976، أي بعد دخول قوات الردع العربية، هو صاحب المشروع الذي أراد إخراج لبنان من دائرة الصراع… بلا حسابات، وتماديه في الخطأ السياسي، حتى عشية اتفاق الطائف في العام 1989. إذاً، للأمر تفسيره السياسي، غير اللوجستي، الذي يقول به الكاتب، أي «حصار تمويني… من المنظمات قبل العام 1982»، ناهيك بأن واقعة الحصار في مجملها، بحاجة إلى تدقيق، توفره يوميات تلك المرحلة. نكتفي من السياسة، التي أحاطت بإنشاء «الشريط الحدودي»، بالدعوة إلى التمعن في الهدف الإسرائيلي الذي أملى «ترسيم الحزام الأمني»، في الجغرافيا وفي الاستراتيجية العامة، ونكتفي بعنوان سجالي، تكفلت الأيام بإزالة الالتباس من حوله، هو أن «الشريط» كان إيذاناً بإعلان التدخل المباشر الإسرائيلي في الشؤون اللبنانية بعد أن انهارت الدولة المركزية، وبات البلد عرضة لكل أنواع التدخلات. يسجل الكاتب استحالات وطنية وسياسية وثقافية وحضارية وإثنية… في تحديد موقفه من «حزب الله»، نسارع إلى التنبيه، أن ما يعتقده فايز قزي، «استحالات فردية»، لا يعدو كونه استعصاءات «أهلية لبنانية»، فما ينضح من «الاستحالات المذكورة، له أسماء أخرى، مثل معنى اللبننة، ومحتوى العروبة، والرابط بين هذه الأخيرة وبين القومية، وهي معانٍ عسيرة، لبنانياً، في التحليل، وفي التحديد، وفي الخلاصات. كذلك يحيل «الموقف الفردي» للكاتب، إلى معضلات الديموقراطية والتوافقية وهواجس الطغيان الأكثري، وكلها مسائل يسيل حبر كثير في سبيل تعليلها، لكن كلماته لا تجد طريقها إلى كتابٍ وطني واحد.

«الصرخة» التي يطلقها الكاتب، أخيراً، تلامس اليأس، لأنها تعلن نفض الفكر واليد واللسان، من إمكانية «الدولة المركزية»… وتترك المجال مفتوحاً أمام اللامركزية الواسعة، أو الفيديرالية! نريد أن نحمل الكاتب على محمل التعب والمتخيل، لأن الواقع اللبناني استعصى عملياً على الفيديرالية مثلما امتنع على التقسيم، وهو ما زال يعاند التوحد الإلغائي القسري… عليه لا بديل من دعوة الكاتب إلى استمرار الصمود في الموقع المستقل الذي اختاره لذاته، موقع العلمانية والديموقراطية والعروبة والوطنية المستقلة. لماذا؟ لأنه بديل من إدارة الصراع مع «لبنان الطائفي المستحيل» للوصول إلى لبنان «العلماني الديموقراطي الممكن»… الواجب الوجود.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل