#adsense

موعد مع الإنشطار الخامس

حجم الخط

موعد مع الإنشطار الخامس!

يصعب التعامل مع حدث آني ساخن ومثير لموجات متضاربة من الانفعالات بمنطق الذاكرة التاريخية التي تحتاج الى عقول باردة ترسم الحدث من زوايا بعيدة عن التوظيف الدعائي ايجابا او سلبا لهذا الحدث. ومع ذلك لا يمكن النظر الى زيارة العماد ميشال عون لسوريا الا كحدث موصوف في اطار دراماتيكي مكمل لسلسلة انشطارات مسيحية تعود الى اكثر من ثلاثة عقود ولا يزال بابها مفتوحا على الغارب.

يرقى الانشطار المسيحي الاول في هذه السلسلة الى الانفجار الاول بين المسيحيين كمجموعة مؤسسة للكيان وقابضة على الحكم في جمهورية الاستقلال الاولى عام 1978 مع وقوع احداث الشمال ومجزرة اهدن الذي اقامت خطوط الفصل والتماس الاولى بين موارنة الشمال في الدرجة الاولى وبين جماعة اساسية منهم وجماعة اساسية مماثلة من موارنة جبل لبنان في الدرجة الثانية.

الانشطار الثاني اختلف بعض الشيء عن سابقه وان كان محمولا بمضاعفات الفرز الذي حدث. فجاء بعد سبعة اعوام متلبسا بالاتفاق الثلاثي عام 1985 متمددا آنذاك الى داخل صفوف الكتائب والقوات اللبنانية والجبهة اللبنانية والشرعية تحت لواء عهد الرئيس امين الجميل.

اعتملت مضاعفات الانشقاقين تحت وطأة احتدام العامل السوري والفراغ الرئاسي في نهاية الثمانينات، فاذا باتفاق الطائف عام 1989 يرسي نهاية معلنة للحرب اللبنانية ويفجر اعتى انفجار بين المسيحيين، فكان الانشطار الثالث بمثابة تدمير شامل للقدرات المسيحية.

مفارقة مذهلة واحدة اخترقت هذا الخط البياني الدراماتيكي والدموي حصلت ما بين 1990 و2005 وتمثلت في "وحدة مقاومة" مسيحية للوصاية السورية والنظام الامني السوري – اللبناني المشترك سحابة 15 عاما واثبتت هذه الوحدة صنوف القمع والسجون المفتوحة لانصار "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" وحدهم من دون سواهم. ولكن ذلك لم يستقم طويلا بعد زلزال 14 شباط 2005 فكان الانشطار الرابع والانفصام الكبير الذي جاءت مذكرة التفاهم بين العماد عون و"حزب الله" لتثبته على نحو حاسم مكرسة معسكرين عريضين في لبنان، وانقسم المسيحيون في حمأة الصراع المذهبي المفتوح على مضاعفات الحرب الاسرائيلية على لبنان عام 2006 واجتياح بيروت بسلاح "حزب الله" في ايلول 2008.

وها هي طلائع الانشطار الخامس تلوح الآن مع مضاعفات استحضار العامل السوري مجددا الى قلب الصراعات والخلافات المسيحية والاستعدادات المحمومة لمعركة العصر في انتخابات 2009، لمجرد ان تطأ قدما العماد عون ارض سوريا مع كل الابعاد والتوظيفات والرموز والشكليات والطقوس والمراسم التي تُهيَّأ لهذه الزيارة.

مهما برعت الآلة الدعائية في تقديم المبررات البراقة لهذه الزيارة، ومهما برعت الآلة المضادة لتوظيف معاكس لها في صفوف الخصوم، لن يبقى بعد حين في ارض الواقع المسيحي سوى مزيد من مضاعفات دراماتيكية مهولة لمجموع الانشطارات المتراكمة هذه التي لا صلة لها بكل ما يساق من تجميل وتبرير لخطوة متفردة آحادية من هنا وردود فعل انفعالية صاخبة من هناك. لكن ما ينبغي التوقف عنده في هذا السياق، ومن زاوية تعني "الدولة السورية" ولا نقول النظام، كما "الدولة اللبنانية" ولا نقول جمهوريات الزعماء، هو تبدل ظروف الانشطار المسيحي الجديد ولو انه صار من باب تحصيل الحاصل. فجموع المسيحيين تقريبا، ليسوا هواة عداء لسوريا ولا هم متحجرون عند عتبات الماضي. ويثبت ذلك تماما المشروعية التامة التي يحظى بها حكم الرئيس ميشال سليمان في مقاربته لعملية اعادة التطبيع مع سوريا من دون اي هزة او مشكلة في المقلب المسيحي تحديدا على اختلاف تلاوينه وعمق انقساماته. وهو امر بالغ الدلالة في تكوين ارادة مسيحية لإعادة التطبيع مع سوريا شرط دخول المنازل من ابوابها العريضة، اي من منطق دولة الى دولة، وشرعية الى شرعية ومؤسسات الى مؤسسات. والمسألة لا تُقارَب من باب الضرب على خاصرة العداء، ولا من زاوية "حج" مسيحي يستعمل كتمويه ديني على استدارة سياسية جذرية. فكل هذا لن يستقيم طويلا عند الحسابات والاختبارات الجادة والحقيقية بين دولتين. فاما اقلاع عن التجارب المدمرة السابقة واما تسلل اليها من جديد.

ولا يحتمل الامر مزيجا من النمطين والا استعاد لبنان وسوريا انشطارات اسوأ من تلك التي يرتع المسيحيون في مسارها الانحداري.

المصدر:
النهار

خبر عاجل