القرار بسفارة "دولة فلسطين" ينشئ علاقة من دولة إلى دولة ويمكّن لبنان من معاملة اللاجئين "رعايا"
دينامية الالتزام اللبناني بمبادرة السلام العربية
في "عز" المخاوف اللبنانية المتجددة حيال التهديدات التي يوّجهها النظام السوري وأتباعه إلى العملية السياسية الديموقراطية والتي تحمل إنذارات متكررة بتفجير الإستحقاق الانتخابي في الربيع المقبل، والتي تجعل "إتفاق الدوحة" في دائرة الإنتهاك والتمزيق تالياً، اتخذ مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة مساء الخميس الماضي قراراً "لافتاً" بالموافقة على إقامة سفارة "دولة فلسطين" في لبنان.
قرار إستثنائي في سياق رؤية لسليمان
وعلى الرغم من أن هذا القرار كاد يمرّ "غيرَ مرئي وغيرَ مسموع"، فإنه قرار على قدرٍ عالٍ من الأهمية بل هو "إستثنائي" بالفعل.
هو قرار "إستثنائي" أي غير عادي، ليس فقط كونه يأتي متأخراً عشرين عاماً عن "إعلان دولة فلسطين" من جانب "المجلس الوطني الفلسطيني" في العام 1988 في الجزائر، بل لأنه عنوان رئيسي لـ"رؤية لبنانية" رسمية قيد التبلور والإكتمال، يبدو أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان "يحبذها" بقوة.
الترجمة للإلتزام بإستراتيجية السلام
إن القرار بالموافقة على قيام سفارة "دولة فلسطين" في لبنان، هو إلتزام لبناني بـ"المبادرة العربية للسلام" التي أُقرت في قمة بيروت عام 2002 وجدّدت قمة الرياض عام 2007 إطلاقها، كما هو ترجمة لبنانية لهذه المبادرة في آن. ذلك أن مبادرة السلام العربية، التي كما تدل تسميتها، تجعل من السلام إستراتيجية عربية، إنما هدفها الأساسي قيام دولة فلسطين، الدولة الفلسطينية المستقلة على "أراضي 1967" وعاصمتها القدس. وإذ تجعل السلام إستراتيجية عربية "مركزية"، فإن المبادرة "تنفي" كل الإستراتيجيات الأخرى و"تطلب" من الدول العربية كافة ليس فقط الإعتراف بـ"القضية الفلسطينية" كهدف مركزي للإستراتيجية العربية بل الإعتراف العربي المسبق بالإستقلال الفلسطيني وبدولة الإستقلال الفلسطيني.
إذاً، إن القرار الأخير لمجلس الوزراء هو إعتراف بـ"دولة فلسطين"، بدولة الإستقلال الفلسطيني، تأسيساً على المبادرة العربية "نصاً وروحاً".
المبادرة العربية في سياق تحرك سليمان خارجياً
والتشديد على هذا الإستنتاج، ذو أهمية كبيرة. وذلك إنطلاقاً من "ملاحظة" أن الرئيس سليمان حمل خلال محطات تحركه الخارجي المتواصل منذ أسابيع عدة، المبادرة العربية للسلام حتى بدا رسولاً لهذه المبادرة من ناحية و"داعية" لها لكونها تمثّل النظام العربي المتحصّن بالشرعية الدولية من ناحية ثانية، وذلك على تقاطع مع الإندفاعة المتجددة سعودياً وعربياً بشأن المبادرة ومع "الأرض" الدولية التي تكسبها المبادرة بإطراد من ناحية ثالثة، وعلى تقاطع مع تأكيدات دولية بأن العام 2009 المقبل سيكون عام التغيير والسلام في الشرق الأوسط من ناحية رابعة، في وقتٍ يتعزّز الإقتناع اللبناني بأن جانباً رئيسياً من "سلام لبنان" يتعلق بـ"سلام المنطقة" من ناحية خامسة.
إن القرار بإقامة سفارة "دولة فلسطين"، يستند إذاً الى "رؤية" لبنانية رسمية تنهض في أساسها على مبادرة السلام العربية.
وإذا كانت المقدمات الآنفة حرصت على تظهير الموقع المركزي للمبادرة العربية في خطاب الرئيس سليمان كما في حركته الخارجية، حتى في طهران، أي بالرغم من الخطاب الإيراني ومفرداته، فإنها ـ أي المقدمات نفسها ـ حريصة بالقدر نفسه على تأكيد أن لا علاقة للقرار الأخير بـ"إنحياز" لبناني رسمي الى أحد طرفي "النزاع" الفلسطيني ـ الفلسطيني.
صلوخ ومحاولة ربط لبنان بالخلافات الفلسطينية
إن القرار الأخير، مقروءاً في سياقَيه اللبناني، والعربي ـ الإقليمي ـ الدولي، هو خيار إستراتيجي بجانب المبادرة العربية ودور لبنان في إطارها. وحقيقة الأمر في هذا المجال أن ربط لبنان بـ"النزاع" الفلسطيني الداخلي وإمتداداته الإقليمية، كان "مشروعاً" لدى وزير الخارجية فوزي صلوخ. فالمعلومات تُجمع على أن صلوخ حاول سحب القرار بإقامة علاقات ديبلوماسية مع "دولة فلسطين" على قاعدة الخلاف الفلسطيني، لا سيما ما برز منه مؤخراً، أي الجانب المتعلق بدولة فلسطين وبإنتخاب "المجلس المركزي" في منظمة التحرير الرئيس محمود عباس رئيساً لدولة فلسطين، الأمر الذي تعارضه حركة "حماس". وهذا ما لم يتحقق لصلّوخ، بإصرار من رئيس الجمهورية بشكل خاص.
اللاجئون رعايا..
وفي سياق التشديد على كون القرار الأخير لمجلس الوزراء عنواناً لرؤية لبنانية رسمية تستند الى مبادرة السلام العربية، من الضروري جداً الانتباه الى حقيقتَين تنجمان عن إقامة سفارة "دولة فلسطين" في لبنان، أي عند استكمال إقامتها فعلاً.
الحقيقةُ الأولى هي أن من شأن قيام السفارة أن يتيح معالجة "المسألة الفلسطينية" في لبنان وموضوع اللاجئين تحديداً. ذلك أن إقامة السفارة بما هي جزء من رؤية، تبدو في إطار هذه الرؤية أقرب الى التعاطي مع اللاجئين بوصفهم "رعايا" لدولة فلسطين، أي بوصفهم مواطنين تابعين لدولة أخرى. وهذا ما يعني مواجهة لبنانية ـ فلسطينية مشتركة لـ"التوطين"، ليس فقط على أساس الموقف المبدئي للبنانيين والفلسطينيين برفضه، بل على أساس صيغة فعلية تجعله مستحيلاً أيضاً.
.. والسلاحُ بلا مبرّر
أما الحقيقةُ الثانية، فهي أن من شأن قيام السفارة، بما هو أحد عناوين الالتزام بمبادرة السلام العربية، أن يتيح معالجة "مسألة السلاح" خارج المخيّمات وداخلها. فإذا كان "معروفاً" أن لا مبرّر لسلاح خارج المخيمات وهو في الأصل جزءٌ من الحالة الأمنية ـ المخابراتية السورية، فلا مبرّر للسلاح داخل المخيمات الفلسطينية أيضاً. والقرار الأخير لمجلس الوزراء يقدّم بهذا المعنى المقاربة الصحيحة للعلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، من دولة الى دولة وبلا أي أعباء.
إن الترجمة السياسية العملية للإلتزام بالمبادرة العربية للسلام، والمجسّدة بقرار إقامة سفارة "دولة فلسطين" الذي لا بد من استكماله وإتمامه، تفيد إذاً أن لبنان ليس فقط يستطيع أن يلاقي "إعلان فلسطين في لبنان" الصادر قبل أحد عشر شهراً عن ممثليّة منظمة التحرير في بيروت، لكنه يستطيع أساساً أن يحمي نفسه بالإنضمام الى إستراتيجية عربية موحّدة وبعلاقة عربية مؤثّرة مع فلسطين.
وغنيّ عن القول إن تثمين القرار الأخير لمجلس الوزراء إنما هو في العمق تأكيد على أهمية الخيار الإستراتيجي المتمثّل بـ"الإنخراط" النشط ضمن الإستراتيجية السلمية العربية.