#adsense

هل تنظم جولة تعارف لعون على أحزاب “الجبهة”؟

حجم الخط

القومية الإجتماعية بين رسالتين واحدة حملها "القوميّ" والثانية حملها "التيّار"
هل تنظم جولة تعارف لعون على أحزاب "الجبهة"؟

يستحق العماد ميشال عون أرفع الأوسمة السوريّة. وإذا كان نظام الملالي في إيران أقرّ للجنرال بالولاية على مسيحيي الشرق فلن يجد نظام البعث في مرحلة ما يقدّمه إليه غير توسيع "الجبهة الوطنية التقدمية" لضمّ "التيار الوطنيّ الحرّ" إليها، بعد أن شملت هذه التجربة التعدّدية الفذّة "الحزب السوري القوميّ الإجتماعي" بقرار جمهوري صدر مباشرة بعد الجلاء عن لبنان.

الحنق على "الواقع اللبناني"

ومن يدري فقد يستبق كل من "التيّار" و"القوميّ" ذلك بإندماج الحزبين، ليس فقط لأن النائب نبيل نقولا يقدّم نفسه كنموذج للتداخل والتماهي بين التجربتين، وليس فقط لأن عون الشاب كان نصيراً للقوميين السوريين يحميهم من تبعات الإنقلاب الفاشل ويفخر بذلك، وليس فقط لأن القوميين السوريين كانوا يمدّون عون بالزاد والعتاد في أيام "حرب الإلغاء"، بل لأنه وقبل كل هذه التفاصيل ثمّة تشابه إلى حد كبير بين شخصيتي أنطون سعادة وميشال عون: العبقرية إيّاها، والزهو إيّاه بهذه العبقرية، وفرض "عبادة الفرد" على المحازبين. سعادة لا يقبل من مواطني أمّته بأقل من "يحيا سعادة" وعون يسمّي أنصاره بـ"العونيين" مع أنّه ما زال حيّاً يرزق. سعادة كان يشارك أعضاء حزبه الهتاف بـ"يحيا سعادة" وعون يتواضع أحياناً فيقول أنّه "أحد العونيين".

وتكفي المقارنة بين مشاهد عودة سعادة إلى لبنان من منفاه الأرجنتيني في 2 آذار 1947 وبين عودة عون من باريس لتلمّس حقيقة الأمر. النبرة نفسها، والنفس الإنقلابي، والتصميم إيّّاه على معاقبة الكوادر التي كانت تضحي أكثر من سواها قبيل عودة "الزعيم" (في الحالتين) من منفاه. فسعادة عمد فور عودته إلى التخلّص مما سمّاها "لوثة التلبنن" فطرد نعمة ثابت (صاحب مقولة "الواقع اللبناني") ومأمون أياس. وعون قام بالشيء نفسه، ضد "لوثة تلبنن" من نوع آخر راح: فكل "عوني" كاد يقول بـ"واقع لبناني" مشترك إسلامي مسيحي، أنتج ثورة الارز وحقّق الجلاء، صار بحكم المرتد لان العقيدة الرسمية في التيار تقول إن عون وحده هو من استرجع السيادة، كما لو أن حرب التحرير حققت أهدافها بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على قيامها، وبصرف نظر عن تداعياتها الفعلية كما تكبّدها المسيحيون واللبنانيون طيلة هذه الأعوام الخمسة عشر.

صحيح أن الفارق يبقى أساسياً بين ظاهرتي أنطون سعادة وميشال عون. الأوّل لا يؤمن بلبنان الجمهورية الأولى ويطرح تجاوزه إلى أمّة سوريّة تمتد من الأهواز حتى كيليكيا. والثاني يؤمن بلبنان لكنّه لا يؤمن بلبنان إتفاق الطائف ويطرح ربطه بمحور سوري إيراني تنحاز إليه معظم حركات المقاومة الأصولية والممانعة القومجية في المنطقة. كل منهما بنى حساباته على أساس تطوير معيّن لنظرية "تحالف الأقليات". كل منهما انساق وراء ما هو غير مألوف من تحالفات. يبقى أن الأوّل طوّر "قومية إجتماعية" من منبت أرثوذكسي مساجل ضمناً مع الكيانية اللبنانية عند الموارنة، في حين أن الثاني طوّر نسخة مارونية من "القوميّة الإجتماعيّة"، نسخة هي الآن أمام الإمتحان الحقيقي: رحلة سوريا.

يوماً بعد يوم يزداد الكائن العوني الباقي في تياره وفياً لجنراله تشبهاً بالكائن القومي الإجتماعيّ. الطريقة نفسها في التفكير. الطريقة نفسها في التعبير. الطريقة نفسها في التعامل مع الآخرين. البيع والشراء نفسه تحت ظلال "العلمانية". الكره نفسه للأكثرية المذهبية في المشرق العربي. الحقد الذاتي نفسه على المعادلات الراسخة جيلاً بعد جيل ضمن الأقليات المسيحية. والحق أنّ الديانة الجديدة التي حاول سعادة إبتداعها في كتابه "الإسلام في رسالتيه" لم تتحقّق إلا على أيدي العماد ميشال عون ونسطوريته المحدثة: إدارة مسيحيي الشرق ظهرهم للعالم المسيحيي وإيثارهم كسرى على قيصر، وكسرى على المحيط الأقرب.

الفارق أيضاً أن أنطون سعادة راهن على "آريي الشمال".. دول المحور.. ألمانيا الهتلرية، في حين يراهن ميشال عون على "آريي الجنوب".. إيران محمود أحمدي نجاد.

عونيّتان؟ بل واحدة!

ينقسم لبنان اليوم حول ظاهرة العماد عون. بيد أن المشترك الأعم بين مناخي 8 و14 آذار شطر تجربته السياسية إلى نصفين: عون ما قبل العودة إلى لبنان، وعون في إثر العودة.
في البدء، كانت 8 آذار تجنح إلى القول إنّ عون ما كان يفهم المسألة الوطنية كفاية. وأنه بعد عودته صار يفهمها أكثر من سواه، وقد ساعده في ذلك الإنسحاب السوري، فكان بحق خصماً شريفاً للسوريين. أخرجهم من لبنان وما أن خرجوا حتى صادقهم في حين أن سواه أطاع السوريين في لبنان وما أن خرجوا عاداهم.

تعدّلت هذه المقاربة بعد ذلك، لأن عون صار ركناً متقدّماً في حلف لحظاته التأسيسية هي 8 آذار 2005 و6 شباط 2006 و7 أيار 2008. صارت الحاجة إلى مقاربة "عرفانية" صرف ترى أن تفاهم مار مخايل كان "موجوداً بالقوة"، أي في عالم الإمكان والإستعداد، منذ نهاية الثمانينيات، بين عون وحزب الله وبين عون وسوريا، وبأنه أحتاج لسلوك مسارين مختلفين في الظاهر، لكن متحّدين في الباطن، فيحرّر حزب الله الجنوب وينتزع عون السيادة ثم يكون التلاقي، وينكشف الغطاء، ويظهر "التفاهم" في ورقة، ثم في إسناد حرب إقليمية، ثم في إعتصام أمني مزمن، ثم في إنقلاب مسلّح.

وزاد آخرون بأن عون كان شريكاً من البدء في المقاومة، وأن تصريحاته الملتبسة بهذا الشأن أمام الكونغرس الأميركي كانت من لزوميات العمل السرّي. بدورهم حاول أنصار عون أن يشيعوا بأن حزب الله ساعدهم على التخلّص من الوطأة السوريّة، أو أنّهم ساعدوه هو أيضاً على ذلك. وفيما بعد صارت طريق دمشق سالكة لعون فما عادت هذه التنظيرات تلزم.

كذا الأمر من ناحية 14 آذار. تاهت التحليلات وهي تريد أن تعرف في أي لحظة ما عاد عون هو عون كما عرفناه. في أي لحظة انتقل من معسكر إلى نقيضه، وهل أنّه إنتقال تدريجي أو عشوائي أو فجائي. هل أنّه إنتقال كان يمكن تفاديه أو تقنينه؟ هل أنّه مرتبط بشهوة الكرسي فقط وإن كانت هي السبب فهل كان الحل بحجبها عنه أصلاً أم بإباحتها له.

لأجل ذلك فإن سفرة سوريا هي فرصة لكسر هذا المشترك بين 8 و14 آذار حيال تقييم ظاهرة عون. فسوريا تكرّم عون ليس فقط على ثلاث سنوات من تاريخه وإنما على كل تاريخه. لولاه لأنعدمت الحيلة لإجتياح المناطق المسيحية في 13 تشرين 1990. وإعترافه يومها بإميل لحّود قائداً للجيش هو الذي سهّل تمرير نظرية إعادة بناء الجيش "فوق الأحزاب"، ومن ثم عزل "القوات اللبنانية" وحلّها.

ومن المنفى وقف العماد عون حائلاً دون أي توحّد سياسي مسيحي في وجه الوصاية السوريّة. لم يتأخر العميد ريمون إدّه حتى اكتشفه على حقيقته. من يومها كان على الجميع اكتشاف هذه الحقيقة. من المنفى ظلّت انتقادات عون لمرحلة إميل لحّود متواضعة، بل ومتواضعة جدّاً، وهذا ما مكّنه لاحقاً من تبرئة لحود من إنقلاب 7 آب الذي حصل أساساً ضد مصالحة الجبل التي ما كان خفياً على أحد الضرر الذي تلحقه بظاهرة العماد عون كون الحراك السيادي صار له قيادات من الداخل، وتشمل الأكثريتين المسيحية والإسلامية، وكون هذا الحراك السيادي كان له راعيان أساسيّان ينكر عون أيضاً مركزية دورهما: البابا الراحل يوحنا بولس الثاني والرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك.

سوريا تعلم أن عون أفادها منذ البدء. سوريا لن تجد كبير حرج في إبتداع تفسير "بعثي" ظريف عن حرب التحرير يصوّرها كجولة فروسية بين خصمين شريفين، أو واقعة تسبب بها المتآمرون على البلدين، تماماً مثلما لم يجد البعث في عصر بشّار الأسد، عصر تصحيح التصحيح، كبير حرج في تجاوز ذاكرة إغتيال عدنان المالكي عندما وسّع "الجبهة الوطنية" لتضمّ "الحزب السوري القومي الإجتماعيّ".
فهلا تنظّم جولة تعارف لعون على أحزاب "الجبهة"؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل