تلاعب منسّق.. بـ"الجانب الأخلاقي" من اتفاق الدوحة؟!
هل ما يشهده لبنان حالياً هو اشارات، محلية واقليمية معاً، الى أن ما حدث بعد 7 و8 أيار قد حدث وأن مرحلة جديدة على وشك البدء؟!، وهل يعني ذلك أنه انتهى ما يوصف بالجانب الاجرائي من "اتفاق الدوحة" ـ انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة "الوحدة الوطنية" ووضع قانون الانتخابات واستئناف الحوار ـ لنبدأ مرحلة جديدة قوامها التنكر الكامل للجانب الاخلاقي من الاتفاق… أي ما فيه من "تهدئة" و"مصالحات ـ مصارحات" و"حوار" على طريق الانتقال الى صيغة حكم جديدة؟!.
مبرر السؤال هذا المناخ "الحربي"، بكل معنى الكلمة، ان في الخطاب السياسي للمعارضة أو في الممارسة على الأرض، منذ "الاعترافات" المتلفزة لما يسمى بشبكة "فتح الاسلام" التي أعتقل أفراد منها في سوريا بتهمة القيام بأعمال تخريبية، وقصد منها اتهام "تيار المستقبل" أولا ثم مديرعام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي في مرحلة ثانية بأن لهما علاقات مع هذه العصابة. والحال أنه لا يحتاج الى دليل اعتبار أن الحركة المتلفزة تلك قد شكلت اشارة الانطلاق في العد العكسي لما بعد "اتفاق الدوحة"، وأن الهدف واحد من اثنين أو هو الاثنان معا: ابلاغ رعاة "اتفاق الدوحة" من العرب وغير العرب أن ما تم "الوعد" به ـ وصولا الى العلاقات الدبلوماسية ـ قد نفذ، وأن المرحلة الآن هي السعي لقبض "الثمن" سواء داخل لبنان أو على المستويين الاقليمي والدولي.
وهكذا رأى اللبنانيون، ولمسوا لمس اليد كما سمعوا، في خلال الأسابيع القليلة الماضية، بعض هذه الاشارات:
أولا = اعلان رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون، وكان قد أولي قبل الدوحة صفة "الممثل الشرعي الوحيد" للتفاوض باسم المعارضة، أن على الأكثرية أن تنتظر 7 أيار آخر في أي وقت اذا لم توافق، ومن دون أية شروط، على ما يريد.
وما يريده عون، ومعه المعارضة طبعا، لا يحتاج الى أي شرح: اكتساح الانتخابات النيابية المقبلة والسيطرة على الحكم، منع أي نائب أو مجموعة نواب من أن يأخذوا موقفاً وسطياً فضلا عن أن يدعموا رئيس الجمهورية، وتحويل اللبنانيين (بمن فيهم المقيمون، والمغتربون كذلك لأنه يطالب باعطائهم الجنسية) الى "شعب مقاوم" بالسلاح على أنواعه، فضلا عن المال والمعاش ونمط الحياة.
ثانيا = تنبيه القائد الأول للمعارضة، الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، الى أن هناك "مؤامرة" لتأجيل الانتخابات النيابية المقررة بعد شهور، ثم تحذير قائد معارض آخر، النائب السابق سليمان فرنجية، من "حدث كبير، بحجم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري" تأكيدا منه لوجود مثل تلك "المؤامرة" من أجل مثل ذلك التأجيل.
والانتخابات النيابية، لمن لم يفقد ذاكرته بعد، مثلت مطلب المعارضة الأول منذ سنوات تارة باسم ازالة "الأكثرية الوهمية" وأخرى باسم "الانتخابات المبكرة".. ودائما تحت لافتة أن غالبية الشعب اللبناني، وخاصة غالبية المسيحيين (70 في المائة، وفق مقولة عون)، تقف الى جانب المعارضة. وليس من شك في أنه اذا كان من طرف، محلي أو اقليمي، يملك ما يحول دون اجراء الانتخابات أو أن يفرض تأجيلها، فهو من أطراف المعارضة أو من حلفائها الاقليميين.
ثالثا = افتعال أجواء أمنية ضاغطة، من جريمة بصرما في الكورة، الى الاعتداء على شقيق النائب بطرس حرب في البترون، الى التحرشات والحوادث المتكررة في المعاهد والجامعات، الى التفجيرات الليلية في طرابلس ومخيم عين الحلوة، وصولا في الفترة الأخيرة الى الاعتداء المتعمد على الزميل في "أخبار المستقبل" عمر حرقوص في وضح النهار وأمام أعين المارة في أحد شوارع بيروت الرئيسية.
رابعا = تصاعد الحملات الاعلامية والاتهامات، في صحف المعارضة وتلفزيوناتها واذاعاتها كما على ألسنة قادتها، ضد الحكومة (والمعارضة "شريك حقيقي" فيها، كما رددت ابتهاجا في ما بعد الدوحة) وضد أطراف الأكثرية… تبنيا لـ"الاعترافات" السورية المتلفزة من جهة، وتسويقا لـ"اعترافات" أخرى ستذاع عندما يحين وقتها، واختراعا لنزاعات وخلافات و"خيانات" من هذه الأطراف وفي ما بينها من جهة ثانية… ودائما، ضد المملكة العربية السعودية ومصر بوصفهما بؤرة "الارهاب" الاسلامي السني ليس في لبنان (وسوريا) فقط بل وفي العالم كله أيضا.
غني عن القول إن أهم ما في "اتفاق الدوحة" هو العودة الى المؤسسات الدستورية بعد أكثر من عامين من التمرد عليها، بالاستقالة واقفال مجلس النواب ومنع انتخاب رئيس الجمهورية ونصب مخيم الاعتصام في قلب العاصمة، وبعد الاستباحة المسلحة لبيروت وبعض الجبل والبقاع والشمال ودفع البلد الى حافة حرب أهلية مديدة. الا أنه لا يقل أهمية منها، الافساح في المجال أمام فترة انتقالية يتنفس فيها اللبنانيون الصعداء وليقبلوا بعدها على اختيار ممثليهم في مجلس النواب، واذاً في الحكم، بعيداً عن لغة السلاح والتهديد به وسيف "التخوين" الذي لم ينج منه أحد من الأكثرية في الفترة الماضية.
وغني عن القول كذلك أن "اتفاق الدوحة" هذا لم يكن ممكنا عقده لولا رضوخ سوريا وايران لأنواع الضغوط، العربية والاقليمية والدولية، التي مورست عليهما في مقابل "وعود" بأن يتم التعامل معهما لاحقا بالمثل… وقطعة قطعة، كما نقل عن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ان في ما يتعلق بالملف النووي الايراني ودور طهران المقبل في المنطقة أو في ما يتعلق بفك العزلة عن سوريا وبدء التعامل معها على أساس القاعدة الحقوقية التي تقول ان "المتهم بريء حتى تثبت ادانته".
وبرغم كل شيء، بما في ذلك تصوير الأمر وكأنه "انتصار" للمعارضة على خلفية الموافقة على اعطائها "الثلث المعطل" (شرط عدم التعطيل، كما هو نص الاتفاق) والمناورات حول تشكيل الحكومة وصياغة بيانها الوزاري، فقد أمكن لهذا البلد فتح ثغرة في النفق عبر ما يمكن تسميته بـ"الجانب الاجرائي" الصرف من الاتفاق العربي ـ الاقليمي ـ الدولي في الدوحة: انتخاب رئيس الجمهورية، تشكيل الحكومة، اقرار قانون الانتخابات، استئناف الحوار الوطني، وصولا الى التوقيع على اتفاق لاقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفراء بين سوريا ولبنان.
وماذا يبقى من "اتفاق الدوحة"؟!.
يبقى "الجانب الاخلاقي" منه. وهو بالذات ما يبدو أنه يشهد حاليا مناورات وعمليات تلاعب منسقة به، محلياً من جهة ولكن اقليمياً ـ وربما في المقام الأول ـ من جهة ثانية.