"لم أسمع شيئاً"!!
غدأ يزور ميشال عون سورية.. هي مع ايران الآن رهانه الاخير ومغامرته الاخيرة، بعدما خاض ضدها حرباً شعواء عام 1989 افضت الى نهاية مأسوية اصبح بموجبها لبنان كله تحت وطأة الوصاية. في ذلك الوقت كان طموح وجنوح عون ثم جنونه سببه تأرجح آمالة الرئاسية في حكم لبنان رئيساً، وكلما شعر بأن السوريين قد اقتربوا من الموافقة عليه «هادنهم» و«غازلهم» وارسل مراسيله السرية اليهم فيعودون من دمشق بامتحان شفهي ليجيب الجنرال على اسئلة السوريين العشرة التي طرحت عليه ليجيب عنها، وكلما فشل في امتحان الاجابة انفجر غضبه جولات عنف مروع استطاعت ان تدمر في عامين ما لم يدمر طوال سنوات الحرب اللبنانية..
في 13 ايلول 1990 قال الجنرال «المستقتل» للبقاء في قصر بعبدا رئيساً «انا امثل الحل». حتى في تلك الايام الدموية كان الرجل لا يرى إلا «انا» تتراقص امام اوهام عقله!! إلا انه قبل تشدده الاناوي هذا في خريف ايلول، كان قد غازل السوريين في صيف تموز فحذف من قاموسه جملته الشهيرة «حرب التحرير» بل مضى في غزله الى ما هو ابعد من ذلك فأعلن العماد المعزول يومها بل اعلن تصوره لهذه العلاقات: «نحن شعب واحد من حيث التقاليد والعادات والثقافة، لماذا لا ينبغي ان تربطنا علاقات اقوى من علاقات الجوار والعلاقات المميزة»!!
يغادر عون الى دمشق فيما نقرأ في صحافة سورية ما يؤكد زلزال اغتيال كبير يشبه اغتيال الرئيس الحريري ناسبة هذا الكلام الى المعارضة الناطقة اصلاً بلسان سورية في لبنان.. بل ذهبت صحيفة الوطن السورية امس الى ما هو ابعد من ذلك فقد لمحت الى اضطراب حبل الامن في المناطق المسيحية، وإذا اردنا ربط هذه القراءة بتهديد عون الذاهب الى الحضن السوري مع تهديد بـ 7 ايار جديد، فسنكتشف ببساطة ان الهدف هذه المرة اجتياح للمناطق المسيحية!!
وتقول الصحف السورية المبتهجة بمجيء عون انه يحلو للجنرال ان يسمي نفسه «المسيحي المشرقي» مع ان اللقب خلع عليه كرتبة مقدسة عندما زار ايران، وطبعاً الجنرال على درجة عالية من الغباء حتى يصدق هذه الصفة ويستمتع بوقع رنينها في اذنيه!!
ثمة شهادتان في ميشال عون وطبيعته، بإمكاننا الاستئناس بهما للتدليل على طبيعة الرجل وانقلابه على نفسه وتركيبة شخصيته، الاولى للسفير «آلن جون رامسي» سفير بريطانيا في لبنان من 1988 حتى العام 1990 وهو قد عرفه عن كثب: «إن اخطاء الجنرال عائدة اولاً الى شخصيته. فهو قد ينصت، لكنه لا يسمع. واحياناً بدا لي ساهياً بعض الشيء. إن طبعه معقد حقاً»!!
اما الشهادة الثانية فتدلنا على كيفية اتخاذه للقرارات المصيرية، وهي لاحد اكثر الضباط إخلاصاً له يقول فيها: «انه يتخذ خياراته المهمة عندما يكون محرجاً وعرضة للضغط، فحرب التحرير قررها بمفرده»!! (يراجع بخصوص الشهادتان كتاب جنرال ورهان لكارول داغر».
اما المندهشون من استقبال سورية للرجل الاكثر تطاولاً على الرئيس الراحل حافظ الاسد، فلا يندهشن احد لهذا الاستقبال العظيم لداوعي الحاجة الى شرذمة الصف المسيحي واثارة البلبلة والاضطرابات في المناطق المسيحية. ثمة حكاية تروى عن ديبلوماسي رفيع المستوى مثل بلاده في دمشق واندهش لتعاطف الرئيس الاسد الاب مع ميشال عون خلال حرب الالغاء التي خاضها لتدمير القوات اللبنانية في آخر محاولة منه لكسب الرضا السوري علهم يصدقون نواياه ويجعلونه رئيساً، وتدلل هذه الرواية على براغماتية الرئيس الاسد الاب: «ابدى الديبلوماسي دهشته للرئيس من تعاطفه مع عون على رغم تهجمات الاخير عليه؟ فأجابه: لم اسمع شيئاً»!!
اما العاجزون عن رؤية البعد الحقيقي لزيارتي عون الى إيران ولية نعمته وتمويله اولاً، وسورية التي يتوسل منها دعماً انتخابياً يعيده نائباً، بعدما منيت احلامه الرئاسية بالفجيعة، نقول لهؤلاء ان المتوخى من هاتين الزيارتين ابعد بكثير جداً من حدود الانتخابات النيابية اذا احسنا القراءة في البدعة التي يروج لها عون عبر استراتيجيته الدفاعية وهرطقات حديثه عن تحويل الشعب اللبناني من ميلشيا الى مقاومة، فالاجابة على هذا كله نجده في:
1 – «مشروعنا هو اقامة مجتمع المقاومة والحرب في لبنان» (السيد حسن نصر الله، جريدة السفير – تشرين الثاني 1987).
2 – «نحن لا نملك اليوم مقومات حكم في لبنان والمنطقة، لكن علينا ان نعمل لنحقق هذا، ومن اهم الوسائل تحويل لبنان مجتمع حرب» (السيد حسن نصر الله، جريدة السفير – تشرين الثاني 1986).
فهل ما زال لدى احد شك بالابعاد الحقيقية لاستغلال حصان طرواده الاحمق الذي يعميه دخان غريزته وشهوته المميتة للسلطة والحكم دائماً، هذه هي الاهداف الحقيقية للزيارتين، إلا اذا كان الجنرال الجهبذ يريدنا ان نصدق ان هذه كلها زيارات لـ «التعارف»!!