"رزالة"
في علم السياسة اللبنانية مفردات وتعابير وأساليب حفلت بها فصول التعاطي بين الفرقاء، فكانت علامة فارقة في تاريخ العلم السياسي بشكل عام. لم يكن حادث التعرض للزميل عمر حرقوص بالضرب "المبرح" إلا أسلوبًا من هذه الأساليب كرّسته مجموعة ممن يدعون العمل السياسي بأخلاق "المقاومة" فيما هم "أرزل" (الكلمة الصحيحة: أرذل) الناس.
فهؤلاء "الرزيلون"، الذين امتهنوا التعدي على الناس وحقوقهم وحريتهم وكراماتهم، ما فتئوا يسوّقون لأنفسهم في اطار المقاومة، ويحاولون إيهام المواطنين أنهم في موقع المدافع عن لبنان وسيادته ورد الاعتداءات عليه، لكن الشعب المؤمن "لا يلدغ من الجحر مرتين".
"المؤسف"، وفق التعبير الذي استخدمه الحزب السوري القومي الاجتماعي في بيانه التبريري للاعتداء على حرقوص، أن تكون ضروب "الرزالة" هذه أمرًا عاديًا لا بد من حصوله، وعلينا ألا نتوقف عنده بل تخطيه وكأن شيئًا لم يكن. و"المؤسف" أيضًا أن يكون زعماء وقادة هذه المجموعات "الرزيلة" شركاء مفترضين فيما سمّي "حكومة الوحدة الوطنية"، وأن يكون هؤلاء الزعماء هم المروجين لأفكار الرزالة والمحرضين عليها والمهددين بها. فـ 7 أيار بالنسبة لهؤلاء الزعماء "الرزيلين" جلسة تأديبية. فإن كان التعدي الذي حصل في 7 ايار على الناس وبيوتهم وانتهاك حرياتهم وحقوقهم والدوس على كراماتهم هو جلسة تأديبية، فهل سننتظر منهم أن يقدموا نموذجًا أفضل في التعاطي مع الوطن برمته؟
هؤلاء لا يقيمون وزنًا لوطنهم بل لمصالحهم "المجرورة" بمصالح آخرين من خارج الحدود، هؤلاء في سلوكهم هم أقرب إلى الصهاينة الذين يدعون محاربتهم، وأبعد ما يكونون عن المقاومة.
فلا مقاومة متى اقترنت بالارتهان، ولا مقاومة متى التصق بها قمع الحريات، ولا مقاومة متى جاءت على حساب كرامة الشعب.
لم يعد يجدينا الأسف ولا التأسف، ولا الاستنكار والشجب. لم تعد تنطلي علينا حكاية لا غالب ولا مغلوب. لسنا مقتعنين أن من لا يزال يهددنا بـ 7 أيار جديدة هو أهل للمصالحة معه. فالمصالحة تكون مع من توصل إلى اقتناع بخطئه لا مع من يكابر على الأخطاء بل ويعتبرها درسًا علينا تعلمه.
كيف نصالح من يريد ضربنا كل يوم، ومن يتوق لمسك رقابنا كل يوم، ومن يشتاق لتحطيم جماجمنا كل يوم؟ كيف نصالح من يرفض الاعتراف بنهائية الوطن؟ أو ذاك الذي لا يصنفنا إلا في خانة العملاء؟ ما هكذا تكون المصالحات ولا نريدها ان تكون وفق هكذا شروط.
لم تكن سلوكيات هؤلاء "الرزيلين" يومًا أفضل مما هي عليه اليوم. لذا لا استغراب لما ارتكبوه ولما قد يرتكبونه. لم تكن نياتهم تجاه لبنان أو مستقبله سليمة يومًا، لذا لا استنكار لما جنت أيديهم بحق الوطن والمواطنين. لم يكونوا إلا "رزيلين" دائمًا فلماذا الأسف لما "ارتزلوه" اليوم بحق عمر حرقوص أو ما قد "يرتزلوه" غدًا في حقنا جميعًا، فهذه سماتهم.
الأسف والاستنكار والاستهجان والاستغراب لا ينفع مع جماعة "الرزلاء"، بل تطبيق القانون وفرض النظام وإحقاق الحق وحماية كرامات وحريات الناس هي الحل، وإنزال العقاب المناسب بهم هو الجزاء الصحيح، لعلهم يرتدعون.
السؤال يجب أن يوجه إلى زعماء وقيادات 14 آذار الذين ارتضاهم الشعب اللبناني بغالبيته حراسًا لحريته وكرامته وحقوقه. لماذا يسارعون ولو انطلاقًا من نيات سليمة لمصالحة جماعة "الرزلاء" قبل اقتلاع "سوسة" السلاح؟ وكأني بهذه الغالبية العظمى من الشعب اللبناني تصرخ في قيادات 14 آذار لتقول لهم: "صاحب الحق سلطان، فمتى تتصرفون على هذا الأساس"؟