ولكن… من يربح "ماراثون" الوطن؟
أقبل اللبنانيون على المشاركة في "ماراثون بيروت" أمس، ليؤكدوا في استفتاء عفوي واضح، مدى تعلّقهم بثقافة الحياة، ومدى عشقهم للحرية والحوار والانفتاح والانطلاق خارج الأسوار الطائفية والحزبية المغلقة، وليعلنوا للعالم أجمع تشبثهم بعيشهم المشترك وتمسّكهم بهذه الأرض الطيبة وطناً نموذجياً لتفاعل الحضارات وتلاقي الأديان.
ركض اللبنانيون أمس هرباً من كوابيس الانقسامات السياسية المستفحلة وأشباحها الفتنوية المخيفة، وبحثاً عن الطريق الذي يقود إلى الهدف الواحد، والموقف الواحد، والمصير الوطني الواحد.
جاء اللبنانيون إلى <ماراثون بيروت> ليرسموا بألوانهم الزاهية صورة المستقبل الواعد الذي يطمحون إلى تحقيقه للوطن المعذّب، ولشبابه المشتّت، وليصرخوا بصوت واحد: نريد الأمن والوفاق والاستقرار، طريقاً للحياة بعيداً عن الاغتيالات والانقسامات والاضطرابات التي نثرت رائحة الموت في مدننا، وفي أحيائنا، وبين بيوتنا.
والواقع أن اللبنانيين يمضون معظم سنوات عمرهم، وكأن قدرهم أن يكونوا في حالة صراع دائم مع الفتن الداخلية، والتدخلات الخارجية بكل انعكاساتها السلبية على الداخل: من تفجير الخلافات، وتعميق الانقسامات، وتفريخ الأزمات!.
وبعد تجاوز قطوع أزمة السنتين الماضيتين، وما نتج عنها من اعتصامات ومواجهات، بلغت ذروتها في أحداث أيار الأسود، ها هي أجواء التوتر تعود من جديد، لتنذر بعودة الاغتيالات والانقسامات عشية الاقتراب من استحقاقين مفصليين: قيام المحكمة الدولية، وإجراء الانتخابات النيابية!.
* * *
لم تعد هشاشة الوضع اللبناني خافية على أحد، فأقل <نسمة ريح> تهبّ من هنا أو هناك، تُصيب الجسم اللبناني بعطب سريع، حيث سرعان ما تظهر بوادر الانتكاس سواء في المواقف السياسية المشحونة، على نحو ما حصل في الكلام عن تأجيل الانتخابات والعودة إلى طرح الفيدراليات، أو من خلال افتعال الأحداث الأمنية على غرار ما حصل في الاعتداء الوحشي على الزميل في <المستقبل> عمر حرقوص، في قلب شارع الحمرا، أو تلك الاحتكاكات في الشوارع المتداخلة في الليالي الظلماء، والتي يتم التستر عليها قبل بزوع شمس الحقيقة.
ويبدو أن مسألة تأجيل الانتخابات تحت وطأة عودة الاغتيالات أو تفجير الاضطرابات في أكثر من منطقة في وقت واحد، والتي كشف عنها طرف أساسي في قوى 8 آذار، هذه المسألة تستحق التعاطي معها بجدية ووعي كاملين من قبل الأكثرية التي عاد شبح التهديدات يلف قياداتها، رغم كل ما قدّمته في اتفاق الدوحة من تضحيات وتنازلات، بهدف منع انزلاق البلد إلى حرب أهلية جديدة.
الانتخابات المقبلة تجري أو تُؤجّل على ضوء نتائج الاستطلاعات المتزاحمة لمعرفة اتجاهات أكثرية الناخبين اللبنانيين، وبالتالي تحديد موقع الأكثرية الجديدة: مع 14 آذار وخياراتها الاستقلالية وبناء الدولة القوية، أم مع 8 آذار وتحالفاتها الداخلية والإقليمية.
ويبدو أن الاحتكام إلى صندوقة الاقتراع لا يُقنع كل الأطراف المعنية، والتي يرى بعضها أن الوضع في لبنان، كما في المنطقة، لا يحتمل خسارة أخرى، بعد خسارة انتخابات عام 2005، وانتقال الأكثرية إلى جانب قوى 14 آذار، وبالتالي فإن تعطيل الانتخابات والحفاظ على <الستاتيكو> الحالي الذي أنتجه اتفاق الدوحة، يبقى أفضل من <المغامرة بخوض انتخابات غير مضمونة النتائج> لأن الائتلاف الوزاري الحالي يُتيح تعطيل الحكم والسلطة عندما تدعو الحاجة إلى ذلك!.
* * *
ورغم أن هذا التوجه قد لا يُعبّر عن موقف كل أطياف قوى 8 آذار، إلا أن الكلام الحازم الذي أطلقه النائب سعد الحريري من القاهرة أدى إلى وضع النقاط فوق حروفها الحقيقية، مؤكداً على التمسك بإجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، بغض النظر عن الظروف الأخرى، والتي لن تكون أسوأ من الظروف الأمنية السيئة التي مرّت فيها الانتخابات في العراق، ومذكراً بأن انتخابات 2005 في لبنان جرت بعد ثلاثة أشهر فقط من زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري وعلى إيقاع مسلسل الاغتيالات الذي طال قيادات سياسية وحزبية وإعلامية لامعة في صيف 2005.
ويتخذ كلام الحريري أهمية خاصة لأنه أعلنه من منبر الرئاسة المصرية بالذات، وإثر التأكيد المصري المعلَن بأن أمن لبنان هو من أمن مصر.
والواقع أن كلام رئيس أكبر كتلة نيابية لم يُقصد منه الدفاع عن استحقاق ديمقراطي مهم في الحياة السياسية اللبنانية وحسب، بقدر ما أصاب في الوقت نفسه الحملة المعرقلة لانطلاقة المحكمة الدولية، والتي من المنتظر أن تبدأ أعمالها في مطلع آذار المقبل، أي قبل الاستحقاق الانتخابي بشهرين أو ثلاثة أشهر.
وثمة من يرى من أطراف المعارضة السابقة واللاحقة أن <خطر> المحكمة الدولية وتداعياته على الوضع السياسي والساحة الداخلية، أكبر من نتائج فوز قوى 14 آذار بالأكثرية في مجلس النواب المقبل، على اعتبار أن وقائع المحكمة قد تكشف من الحيثيات ما يؤدي إلى قلب موازين المعادلة الحالية، خاصة في الجانب المسيحي، وهذا ما <يقتضي>، حسب أصحاب هذا التحليل، اللجوء إلى كل الوسائل اللازمة لتأخير قيام المحكمة الدولية.
* * *
بين استحقاقي المحكمة والانتخابات ثمة <ماراثون> من نوع آخر قد يعيشه الوطن الصغير في الأشهر القليلة المقبلة.
سباق بين خيارات الوفاق والأمن والاستقرار، وبين محاولات العرقلة والتعطيل، عبر تصعيد الشحن والتعبئة والتوتير، والذهاب إلى حد التلاعب بالحبل الأمني بين المواجهات المفتعلة والاحتكاكات المتنقلة والاغتيالات الداهمة!.
ولكن… من يربح <ماراثون> الوطن في النهاية؟.