#adsense

الخنادق المتقابلة في الإعلام اللبناني

حجم الخط

الخنادق المتقابلة في الإعلام اللبناني

لم يعد مستغرباً، بعد ان تحّول معظم الإعلام اللبناني، المرئي منه والمكتوب، الى ما يشبه الخنادق العسكرية المتقابلة والجاهزة في اي لحظة لتبادل اطلاق النار، أن تنتقل المواجهات بين «الزملاء» الى الشارع، وان يصبح الاعتداء على صحافي ينتمي الى الخندق الآخر وضربه لأنه يقوم بعمله، هو البديل عن كتابة مقال او التعبير عن رأي.

ونحن من جيل عاش الحرب الأهلية وعمل في هذه المهنة في أسوأ مراحل المواجهات العسكرية. ونذكر اعتداءات على صحافيين بسبب مواقفهم وآرائهم، سواء قبل الحرب او خلالها او بعدها، ومنها ما وصل الى حد الاغتيال، كما حصل لمؤسس هذه الجريدة كامل مروة ولصحافيين لبنانيين كبار غيره، مثل نسيب المتني وسليم اللوزي ورياض طه وجبران تويني وسواهم. لكن هذه الاعتداءات كانت تحصل على يد من يفترض ان «شغلهم» هو ارتكاب مثلها، اي المسلحين ورجال الميليشيات وأجهزة الاستخبارات، الذين تكون الكلمة في عهدتهم آخر ما يستحق الحماية. لكنني لا أذكر، وارجو أن تكون ذاكرتي على حق، ان صحافياً اعتدى على زميل له بسبب موقف او اتجاه سياسي. على العكس ظل الاعلاميون اللبنانيون من مختلف الاتجاهات، طوال حقبة الحرب، هم الاقدر على استخدام الكلمة في حوارهم، في الوقت الذي كان السلاح هو اللغة الوحيدة التي يستخدمها الآخرون.

اما ان يصل الأمر الى حد ان حزباً يعترف ان احد اعضائه، الذي وصفه الحزب بأنه «صحافي»، هو الذي اقدم على الاعتداء على زميل له، لأنه يعمل في مؤسسة يعتبرها هذا الحزب خصماً له، فهو يدل، بكل أسف، على مدى الاستخفاف الذي بلغه الانتماء الى مهنة الصحافة في لبنان، بسبب فتح ابواب الدخول الى المؤسسات لكل من يطرقها، من دون أي اعتبار للمقياس المهني (كي لا نقول ايضاً الاخلاقي)، الذي يفترض ان يكون هو الاساس. اضافة الى حدة الانتماء السياسي (والمذهبي احياناً) لمعظم المؤسسات الاعلامية، مما جعلها رديفاً مباشراً وبديلاً في ايام الهدنات العسكرية (كما هو الحال الآن) لحروب الشوارع التي شهدتها بيروت وغيرها من المناطق خلال النزاعات المتنقلة.

تكفي متابعة مسائية لنشرات الاخبار على المحطات اللبنانية او قراءة معظم مانشيتات صحف الصباح لإدراك المدى الذي بلغه الاصطفاف الاعلامي في لبنان، بحيث بات الخبر نفسه مادة صالحة للتشويه حسب الطلب، بعد أن تعلمنا ان الخبر مقدس ومتروك للقارئ او المشاهد للحكم عليه، بينما الرأي يخضع للاجتهاد والتقييم، طبعاً ضمن الاصول القائمة على احترام الكلمة والابتعاد عن الاسفاف والتشهير وتبادل البذاءات.

لا ضير ان تكون الصحف والمؤسسات الاعلامية اللبنانية منابر سياسية لاتجاهات حزبية او فكرية مختلفة ومتناقضة الميول، فهذا امر طبيعي يحصل بين الصحف في كل بلدان العالم، بل هو دليل كنا نفاخر به على صحة النظام اللبناني النابعة من قدرته على تحمل تعدد الآراء والاتجاهات. لكن عندما تتسع ثقافة تخوين الرأي المخالف وعندما تصير القاعدة المتبعة أن من ليس معك فهو عميل، يصبح إسكات هذا الرأي امراً مشروعاً، في نظر من يقدمون عليه، مثلما بتنا نشهد أخيراً في لبنان، سواء من خلال احراق مؤسسات او ضرب افرادها او اتهام آخرين بالعمل مع «العدو» كتبرير مسبق لإهدار دمهم.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل