#adsense

على هامش ماراتون بيروت:‏ ‏«اعطوا لبنان السلام وخذوا ما يدهش العالم»‏

حجم الخط

على هامش ماراتون بيروت:‏ ‏«اعطوا لبنان السلام وخذوا ما يدهش العالم»‏

عندما كنت احضّر عناصر مقالة اليوم، لفتني بالامس حدث مميّز، جعلني اتفاعل معه بحماس شديد، ‏الى درجة انه حرفني عن الموضوع الذي كنت عزمت على معالجته، وشدّني اليه، والى الاحداث ‏والمناسبات الاخرى المشابهة له في الجوهر، والتي تظهر مدى حيوية الشعب اللبناني، ومدى ‏قبوله واقباله عندما تتاح له الفرصة، على التعبير عن مدى تعلقه بالحداثة وبالحضارة ‏وبالقيم الانسانية والفكرية التي تميز شعباً عن شعب، وتظهر في شكل بارز مكامن القوة ‏المتجذرة في صدور اللبنانيين، والتي جعلت منهم في حقبات عديدة في التاريخ ابرز الذين ‏ساهموا في اغناء البشرية بالفكر والعلم والفلسفة والاختراع، وكل ما هو مثير للدهشة ‏والاعجاب والاحترام.

‏ هذا الحدث المميز هو ما راتون بيروت الدولي لهذه السنة، الذي تفوق بدرجات على تفوقه في ‏السنوات الاربع الماضية، ان من حيث التنظيم، او من حيث نوعية المشاركين، او من حيث حجم ‏المشاركين، او من حيث الشعار الذي رفع هذه السنة، وهو بشجاعتهم نركض اي الركض من اجل ‏ان نقول للمرضى الموجوعين اليائسين، الصابرين المصابين بالسرطان، اننا معكم والى جانبكم، ‏واننا نحبكم ونشارككم مرضكم، وكان مؤثرا حقاً ومدعاة للفخر والاعتذارات في آن، رؤية ‏عشرات الالوف من المشاركين في هذا المهرجان الرياضي الانساني، وهم ينطلقون بفرح وحميّة، لا ‏للهتاف باسم هذا السياسي، ولا فداء لآخر بالروح والدم، ولا لاطلاق الشتائم والتهديدات ‏والاتهامات كما كان يجده على احدى محطات التلفزة في ذات الوقت، بل لتوجيه رسالة الى ‏الجميع، بان الشعب في واد، وان معظم السياسيين في واد آخر، وان الصورة الحقيقية التي ‏نقلتها وسائل الاعلام الى كل العالم اظهرت ان الشعب اللبناني، هو شعب يحب الحياة، ويريد ‏السلام، ويناضل من اجل ان يكون وطنه، وطن ابداع ومحبة، وانفتاح، بعيداً عن الطائفية ‏والفئوية، والموجات الغريبة الطارئة على طريقة عيشه التي مارسها اللبنانيون على مختلف ‏طوائفهم ومذاهبهم منذ مئات السنين، وتجلّت في ابهى معانيها في ركض المحجبّات جنبا الى جنب مع ‏السافرات، والنساء مع الرجال، والكبار مع الصغار، والاصحاء مع المعوقين وابن العاصمة ‏مع ابن الجبل، والاغنياء مع الفقراء ومناصرو 14 اذار مع مناصري 8 آذار.

‏ ‏ ‏ ‏* * *‏
اذا اضفنا الى هذا الحدث الحضاري، احداثاً اخرى تماثله، وشهدها لبنان منذ بداية هذا ‏الصيف، وما زال يشهدها حتى اليوم، وهي تنوعت وتتنوع بين مهرجانات سياحية، فنية ثقافية ‏ورياضية،ومؤتمرات مالية واقتصادية وامنية ودينية، ومعارض عدة للكتب ودور النشر، ‏وزيارات نوعية لرجال دولة وسياسة وعلم ودين.

‏ واذا اضفنا اليها السياسة الحكيمة الواعية التي مارسها حاكم مصرف لبنان رياض سلامه ‏لضبط الاوضاع المالية والنقدية، والتي حمت لبنان من تسونامي الانهيار المالي العالمي وفتحت ‏السوق المالي والاقتصادي امام فرصة كبيرة لدفع لبنان في طريق النمو الكبير، واستعادة ما ‏خسره في السنوات العجاف السابقة بسبب الحروب والاحداث.

‏ واذا توجّنا كل هذه الايجابيات بالحلم الذي حمله رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى ‏جميع دول العالم ومراكز القرار فيه، لجعل لبنان مركزاً لحوار الاديان والثقافات، نصل الى ‏استنتاج بسيط وواقعي، وقد اعلنه يوماً رئيس جمهورية لبنان الاسبق امين الجميل، عندما قال ‏في الامم المتحدة: «اعطوا لبنان السلام وخذوا ما يدهش العالم».

‏ هذا البلد بحاجة حقاً الى فترة نقاهة، يستطيع الشعب في خلالها ن ينقّي ذاته من سموم يضخّها ‏يومياً نفر من السياسيين تخصصوا في الكذب، والشتم، والتحريض، والتآمر، وينصرف الى الحياة ‏الحضارية، واستعادة الاخلاق الحميدة، وخلق كل شيء بديع وحسن، يعود بالنفع على الانسان، ‏ولا بأس في هذا المجال لو تصرفت الدولة بدكتاتورية موقتة، والزمت كل وسيلة اعلامية بعدم ‏تشريع ابوابها وهوائها وصفحاتها، الا للكلمة الطيبة، والنقد الهادف، والاعتراض المحقّ، والخبر ‏الصادق، وفي المقابل على الدولة، ان توسّع المجالات والفرص، امام كل من يتصدّى لخلق احداث ‏مميزة كتلك التي سبق ذكرها، وعدم التباخل في تقديم المساعدات المالية والمعنوية للاعمال ‏الثقافية والرياضية والفنية من معارض ومسرحيات ومهرجانات ومؤتمرات لا يؤتى منها الا ‏النفع والخير للبنا ن وشعبه.

‏ ماراتون بيروت هذه السنة، مدماك جديد صلب يضاف الى بناء لبنان الحضارة والعلم والانفتاح ‏والانسانية والذين فكروا وتعبوا ونفذّوا هذه المحطة الحضارية يستأهلون مثل غيرهم من ‏المبدعين الآخرين المسكونين بحب لبنان، كل احترام وتقدير وشكر من كل لبناني حقيقي.

المصدر:
الديار

خبر عاجل