المحاسبة آتية
لن نتفاجأ يوماً اذا اعتبر النائب ميشال عون بقيّة المسيحيين الذين لا يتبعون فكره السياسي، مهما كانت نسبتهم، مجرّد خطأة مضللين يستحقون الحرم الكنسي أو الالغاء (فعلها سابقاً). يا ترى لماذا لم يفكّر جنرال الرابية بأسلوب مرن لإقناع هؤلاء المضللين المتشبثين بالعيش كأهل ذمة في ظلّ هيمنة الطائفة السنيّة وتيار "المستقبل" على السلطة؟! ولماذا تزداد نقمة هؤلاء عليه كلّما خاض مغامرة جديدة؟
نذكر جيداً ان عون استخدم في الانتخابات النيابية السابقة عام 2005 برنامجاً سياسياً انتخابياً بعنوان "الطريق الآخر"، وحاز على أساسه 70 في المئة من أصوات المسيحيين، وكان يبشّر ويروّج بحماسة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط ورياح التغيير ويهاجم "التدخلات التي تقوم بها القوى الاقليمية وادواتها"(المقصود بها حتماً سوريا وايران وادواتهما)، ويطالب بإعادة النظر في الاتفاقات الثنائية مع سوريا لأنها "اتّسمت بالإذعان وعدم المساواة". وغالباً ما انتقد وجود الموالين والمعارضين معاً في حكومة واحدة، واعتبر ذلك هرطقة دستورية بحجة المحافظة على التعددية الطائفية مما لا ينسجم مع الاصلاحات السياسية. أما في ما يخص سلاح حزب الله فاعتبر انه "يضع لبنان في مواجهة القانون الدولي ويهدد الوحدة الوطنية"، وان مزارع شبعا "ذريعة سورية".
تلك كانت الركائز التي اعتمدها "التيار" لإقناع المسيحيين بإنتخاب اعضائه ونجح بذلك. لكن لم يمر عام واحد الاّ وتغيّرت المفاهيم وبات المسيحيون "المساكين" ضائعين، يسألون عن البرنامج البرتقالي ولم ينالوا سوى "الحصرم". فقد انقلبت الأمور رأساً إلى عقب في رأس عون ، وهذه ليست المرة الأولى، ومن أراد التأكّد فليعد إلى مسيرة الجنرال منذ نشأته السياسية ايّ عام 1988، لأنه قبل ذلك اقتصرت تجربته على الجانب العسكري البحت. والأدهى من ذلك انه استطاع بشعبويته المحافظة على مجموعة تبايعه وتستميت في الدفاع عن هرطقاته وتقلباته وتجتهد لتخلق له المبررات حتى لو قادها إلى الهلاك. قد يكون هؤلاء من عشّاق إطلالة الجنرال وشبوبيته وتوتره وعصبيته المفرطة ولديهم الثقة بكل ما يفعله حتى اذا طلب منهم رمي انفسهم في البحر وهو لا يتردد عن فعل ذلك احياناً بالمفهوم السياسي حتماً. مع ذلك، لا يسعنا سوى احترام خيارات هؤلاء والاكتفاء بالصلاة لأجلهم.
لكن ما هو البرنامج الانتخابي الذي يحضّره الجنرال لانتخابات سنة 2009؟ وايّ عنوان سيختار له؟ "اللعب مع الشيطان" ام "الطريق إلى الفردوس الايراني السوري" ام "طريق الانتحار"؟
لا نرغب في المضي بالاستهزاء، لنطرح الأمور بجديّة انطلاقاً من الأفكار الجديدة والمتغايرة للتيار ورئيسه في محاولة للتعرف إلى البرنامج الانتخابي المتوقّع لهذه السنة:
– في بند السياسة الخارجية: على المسيحيين مناهضة الولايات المتحدة الاميركية والغرب وقطع العلاقات معها لأنها تشكّل "وصاية جديدة"، وعلينا ان نعتبر قوات الأمم المتحدة في الجنوب "قوات الاحتلال".
– في العلاقة مع سوريا: علينا ان نذعن للودّ المستجد بين الجنرال والنظام السوري، فنضع بكبسة زر تاريخ النزاع مع السوريين خلفنا من دون ايّ مراجعة. وكأن لا شيء يستحق اعادة نظر، لا الاتفاقات ولا المعتقلين في السجون السورية ولا الأفخاخ ولا الأطماع ولا الاغتيالات ولا الارهاب. فمجرّد ان ينفتح السوريون على الجنرال نكاية بالزعماء المسيحيين الآخرين، يجب ان نهلّل ونصفّق ونعطي أصواتنا للهنود الحمر، عذراً للبنانيين البرتقاليين.
– في مسألة سلاح حزب الله: يجب الا نتذمّر من تكريس قدسيّة هذا السلاح إلى أمدّ غير محدد فهو ضروريّ لحماية لبنان(لا وجود لأيّ اشارة إلى الجيش اللبناني)، إلى ان تأتي "ظروف موضوعية تسمح بالتخلي عنه". والظروف الموضوعية قد تكون بوضع السلاح بمتناول كل الشعب اللبناني وتحويله شعباً مقاوماً لأنه في الوقت الحاضر ليس سوى ميليشيات!
– في العلاقة بين اللبنانيين: التصدّي الحازم لمنطق الأسلمة الذي يتبعه تيار "المستقبل"، فهو بنظر ميشال عون تيار دجّال يدّعي انه يحمل شعار "لبنان اولاً" لأن ماضيه معروف بسبب تعاونه مع السوريين وقبوله بالوصاية طوال 15 عاماً، وتأييده للقضية الفلسطينية وتبنيه مشروع التوطين، ومهما فعل ومهما صرّح مسؤولوه ومهما قدّم من تضحيات وشهداء، فهو تيار يموّل الارهاب ويدعمه لمجرّد ان "العماد" لا تعجبه الحريرية السيادية المستحدثة حتى لو دفعت الثمن دماء واضطهاداً، وهو يعتبر ان مسيحيي 14 آذار يعاملون كأهل ذمة من الطائفة السنيّة وتحديداً من ممثليها في السلطة وخصوصاً الرئيس فؤاد السنيورة! أما ارتباط عون بحزب الله وخيارات ولاية الفقيه الاقليمية السورية والايرانية، وتوظيف كل امكانات التيار بأمانة ووضعها بخدمة حزب الله وسلاحه ودويلته ورفض الطائف، فهي علاقة من الند إلى الند! فلا تبعيّة من التيار للحزب حتى ولو استفرد الأخير بقرار الحرب والسلم من دون مراجعة حليفه في الرابية الذي بات يؤمن بأن سلاح الحزب هو وسيلة مقدّسة، لذا أصبح التعاطي معه طبقاً لهذا المفهوم تعاطياً مع الآلهة، ولا يجوز مناقشة هذا الأمر المقدّس!
– في العلاقة مع بكركي: يجب ان يتخلى البطريرك الماروني عن دوره التاريخي، فلا يتدخل بالقضايا الوطنية ولا حتى في الشؤون السياسية للطائفة، بل عليه ان يقف على الحياد، حتى ولو رأى الحق يزهق امام عينيه، وحتى لو ادت استراتيجية الجنرال واتباعه إلى جرّ المسيحيين نحو محاور ومشاريع اقليمية لا تنسجم مع تاريخهم ووجدانهم. ومن المعيب بنظر العونيين ان يكون البطريرك منحازاً إلى لبنان الكيان والرسالة بل عليه ان يتخلى عن صون وطن الآباء والأجداد والتاريخ والقرابين، والاكتفاء بالتصفيق لفريق البرتقال والليمون الذي امتهن اليوداصية والحربانية والنرجسيّة تماماً كالفريسيين والعشّارين وجامعي الضرائب. عذراً، وعدت بأن أتجنّب الاستهزاء، لكن ما العمل اذا كانت سياسة ميشال عون مثيرة للضحك وليس الاستهزاء فحسب!!!
لا يا سادة، يا شركاءنا في المسيح والكنيسة، ويا من تبقى من عونيين، انتم واهمون. فالمسيحيون لا يخدعون مرتين، ولن تجدي وسائل الارهاب ولا المال "النظيف" والاتهامات والسلاح الميليشياوي والتجنّي والافتراءات الكاذبة ونبش القبور ولا كل العنتريات الهستيرية في تغيير الثوابت المسيحية لتمرير مشروع دولة "ولاية الفقيه" في لبنان. عليكم ان تقرأوا التاريخ جيداً وتأخذوا منه العبر، علّكم تتعظون.
نحن بلغنا سن الرشد، وننتظر اخواننا واحباءنا المضللين في التيار العوني للكفّ عن المراهنة بجنون على التحالف مع سوريا وايران، وبالتالي الكفّ عن المتاجرة بمصير المسيحيين والعودة إلى ثوابتنا التاريخية التي ورثناها من اجدادنا في الوادي المقدس وجبلنا الأشم.
