لبنان لن ينعم بالاستقرار إذا لم يعد إلى ممارسة النظام الديموقراطي الصحيح
أي أكثرية لا تستطيع أن تحكم بوجود أقلية مسلّحة
يقول مرجع ديني إنه إذا لم يعد لبنان الى ممارسة النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة بحيث تحكم الأكثرية التي تفوز في الانتخابات والأقلية تعارض، فانه قد لا ينعم باستقرار سياسي وأمني واقتصادي دائم وثابت.
لذلك، فانه يأمل في أن تتحمل الأكثرية النيابية التي تنبثق من الانتخابات النيابية المقبلة مسؤولية الذهاب بالبلاد في هذا الاتجاه او ذاك، ومسؤولية معالجة الاوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة، ويبقى من واجب الأقلية المعارضة محاسبتها بالوسائل الديموقراطية أي بحجب الثقة عن الحكومة التي تمثل الأكثرية وان تدعو الى التظاهر والاضراب السلميين إذا لزم الأمر، حتى إذا لم تتوصل الأقلية المعارضة الى استجابة مطالبها، فان عليها ان تنتظر موعد الانتخابات النيابية التي يقول فيها الشعب كلمته من خلال صناديق الاقتراع، فاما ان يجدد ثقته بالأكثرية نفسها ويعيدها الى السلطة، واما ينزع ثقته منها ويحول الأقلية المعارضة أكثرية. هذه هي اللعبة الديموقراطية الصحيحة التي كان يمارسها لبنان قبل الوصاية السورية، وقد درج لبنان على ممارستها طيلة سنوات الاستقلال، ولم يضطر الى تغييرها إلا في ظل الوصاية السورية، التي شوّهت صورتها. فلا الانتخابات التي جرت في ظل تلك الوصاية كانت حرّة ونزيهة، ولا تشكيل الحكومات كان يتم وفقاً للأصول. بل وفق الارادة السورية. ولم يكن يحق حتى لعدد ضئيل من النواب ان يقوم بدوره في محاسبة تلك الحكومات لأن الأكثرية الموالية مضمونة إذا ما طرحت الثقة، وكان ممنوع عليها الاستقالة او حتى طرح الثقة بنفسها إلا بقرار سوري…
وعندما فازت في انتخابات 2005 أكثرية غير موالية لسوريا بعدما استعادة لبنان سيادته واستقلاله وقراره الوطني الحر بانسحاب القوات السورية من كل أراضيه، حولت سوريا الأقلية المعارضة أداة عرقلة ومشاكسة لحكم الأكثرية ليس بالوسائل الديموقراطية وبالاحتكام الى المؤسسات الدستورية انما بقوة السلاح كون هذه الأقلية يقودها حزب مسلح هو "حزب الله". فلو ان هذه الأقلية لم تكن مسلحة لما كانت استطاعت ان تفرض رأيها على الأكثرية، غير آبهة بالعواقب التي قد تحل بلبنان.
وقد بدأت الأقلية المسلحة تمارس سياسة العنف والضغط الأمني والعسكري على الأكثرية الحاكمة منذ ان قررت سحب الوزراء الشيعة من الحكومة بقصد تعطيل اقرار النظام الاساسي للمحكمة ذات الطابع الدولي، وبدأت القيام بسلسلة تظاهرات واضرابات واعتصامات بهدف حمل الحكومة التي اعتبرت انها باتت غير شرعية وغير ميثاقية بعد انسحاب الوزراء الشيعة منها، على الاستقالة ولم يكن في امكان الأقلية المعارضة ان تجعل اعتصامها في الخيم وسط العاصمة يدوم أكثر من سنة لو لم تكن – قادرة على حماية هذا الاعتصام بقوة السلاح، وكانت الدولة تتجنب مواجهتها حرصاً على وحدة لبنان وسلامته فتحملت مع الشعب جراء ذلك خسائر مادية فادحة وضرراً كبيراً بالأوضاع الاقتصادية والمالية ولو لم تكن الأقلية المعارضة مسلّحة لكان من السهل على الحكومة تعيين وزراء بدائل من الوزراء المستقيلين ولما كان في الإمكان، وخلافاً للقانون والدستور اغلاق أبواب مجلس النواب في وجه الحكومة وفي وجه الأكثرية. ولو لم تكن الأقلية المعارضة مسلّحة والسلطة تتجنب مواجهتها حرصاً على وحدة لبنان وسلامته، ويبدو ان هذا هو آخر ما يهم الأقلية، لما كان في استطاعتها ان تجتاح بسلاحها الذي تبرّر حمله بمواجهة اسرائيل، بعض شوارع العاصمة وبعض مناطق الجبل لمنع تنفيذ قراري أمن المطار وشبكة الاتصالات، وهو ما جعل زعماء لبنانيين في الموالاة والمعارضة يلبون الدعوة الى قطر للبحث عن حل. كما جعل الأكثرية الموالية توافق على ما سمي اتفاق الدوحة حرصاً منها على وحدة لبنان وسلامته بعدما كانت قد رفضت الموافقة عليه في بيروت، رغم كل المساعي المتعددة المصدر، فلم يتم انتخاب رئيس للجمهورية بنصف زائد واحد من قوى 14 آذار لئلا يؤدي انتخابه الى تقسيم لبنان، وصار القبول بانتخاب رئيس توافقي هو العماد ميشال سليمان، والقبول ايضاً بتشكيل حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها الأقلية المعارضة بالعدد الذي تريد، وباعتماد قانون الـ60 بدل قانون عصري حديث يأتي الى مجلس النواب المقبل بالمعتدلين والمتزنين وليس بالمتطرفين ليس سياسياً فحسب بل مذهبياً…
ورغم اتفاق الدوحة، فان الأقلية المسلحة ظلت تؤخر انتخاب العماد سليمان الذي صار اتفاق على انتخابه، وتربط هذا الانتخاب بالاتفاق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. ثم تربط تشكيلها بالموافقة أولاً على قانون الـ60… فدخلت عملية التشكيل مخاضاً عسيراً.
والسؤال الذي يقلق الناس منذ الآن هو: هل تظل الأقلية الحالية المعارضة أقلية مسلحة سواء أصبحت أكثرية بنتيجة الانتخابات النيابية المقبلة ام ظلت أقلية، لأن بقاء السلاح في يدها قد يحول دون تمكين الأكثرية من الحكم كما حصل خلال السنوات الثلاث الأخيرة. إذ أنها قد تعود الى الشارع والى التظاهرات والاضرابات والاعتصامات لفرض الحكومة التي تريد وتعطيل دور رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في عملية التشكيل كما نص عليها الدستور، وعدم الاحتكام الى المؤسسات وفقاً للأصول، بل الى الشارع…
واذا فازت الأقلية الحالية بالأكثرية فانها تستطيع ان تأخذ لبنان حيث تريد وتغير وجهه وربما نظامه بلجوئها الى السلاح لقمع كل معترض، وعندها قد يواجه لبنان خطر التجزئة والتقسيم والتوطين، وتزول وحدة الارض والشعب والمؤسسات. وتعود لتطرح على البحث مشاريع الفيديرالية التي جاء الرئيس امين الجميل على ذكرها في مناسبة عيد الكتائب وذكرى استشهاد نجله بيار، وكان هذا موضوع استغراب واستهجان البعض في قوى 8 آذار، وقد تناسى هذا البعض ان لبنان لا يحكم بفرض سياسة الغالب والمغلوب وإلغاء الرأي الآخر بقوة السلاح بل بقوة النظام الديموقراطي والمؤسسات الدستورية فقط، وليس الرئيس الجميل وحده من جاء على ذكر "الفيديرالية" وقد طرحت خلال الحروب الداخلية غير مرّة، وقبله دعا النائب وليد جنبلاط الى الطلاق بالتراضي إذا كانت فئة تريد ان تفرض رأيها على الفئة الأخرى بقوة السلاح وليس بقوة الديموقراطية.