التدخّل السوري في الانتخابات لفرض لوائح أو نتائج أم لفرط الاستحقاق؟
لا يختلف إثنان على تفسير حركة حلفاء سوريا المتزايدة باتجاه العاصمة السورية دمشق، باعتبارها تدخل في سياق التحضير للانتخابات النيابية المقبلة في العام 2009، فزوار الرئيس السوري بشار الاسد، "الساقطين" في الانتخابات النيابية في العام 2005، التي جرت بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، باتوا يمشطون الطريق الدولية بين لبنان وسوريا يومياً، وينقلون رهانه على تغيير الوضع في لبنان عبر الانتخابات النيابية، ويبدو من لقاءاته المنتظمة مع حلفائه، انه يقوم بتوجيههم وادارة تحركاتهم ونشاطاتهم، بهدف اعادة بناء ما يمكن تسميته "جسر العودة" الى لبنان، وقام بتكليف اللواء رستم غزالي الذي كان يدير اللعبة المخابراتية من لبنان، بإدارة اللعبة الانتخابية من ريف دمشق، بصفته مطلعاً على الوضع اللبناني، ويملك شبكة مخابرات لا تزال تمده بالتقارير و"الخبريات"، قوامها بعض اللبنانيين "المتسورنين" من شخصيات سياسية، تحلم بالعودة عن طريق سوريا الى الحياة السياسية اللبنانية.
تتقاطع تقارير إخبارية على أن ملف الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان قد أصبح بكامله في عهدة سوريا، التي طلبت من حلفائها عدم التعاطي في مسائل التحالفات واللوائح، لأن هذا الموضوع يدرس في سوريا ويتحدد فيها، نظراً الى كون المسألة استراتيجية بالنسبة الى النظام السوري، وتتعلق بخاصرته اللبنانية، التي لم يعترف باستقلالها بعد، والتي تهدده بالمحكمة الدولية التي يقترب موعدها. فـ"التفويض" الذي كان ممنوحاً لـ"حزب الله" في إدارة شؤون "8 آذار" قد ألغي، بل إن إدارة الشأن الانتخابي للحزب ولغيره من القوى والأحزاب والسياسيين أصبح، في قسم كبير منه، تحت إشراف مسؤولين سوريين (كرستم غزالي) سيقومون بتحديد الأحجام ونوعية معظم الترشيحات، وذلك بعد "طفرة" الطامحين الذين كانوا يعتقدون أن الفرصة مواتية للترشح في مناطق انتخابية مريحة نسبياً، وفرص الفوز فيها مقبولة.
في هذا السياق، يشير مراقبون الى أن زيارة النائب ميشال عون الى سوريا، خلفيتها انتخابية بحتة، فالجنرال "مهموم"، يعاند حلفاء سوريا لاستعادة مقاعد مسيحية في بعض الدوائر. يدعي تحرير أصوات المسيحيين بعد اتفاق الدوحة، ويروّج تياره أن "عون رجع الحق لصحابو"، فيما يستميت في التفاوض مع حلفائه في "8 آذار" للتنسيق انتخابياً، ولكن يبدو أنهم لم يسلموا بتنصيبه "بطريركاً سياسياً" للمسيحيين، ولن يقدموا له على "طبق من فضة" مقاعد نيابية من حصتهم. فالجدال الذي احتدم قبل زيارة عون الى الجنوب، على خلفية إعلان وزير الاتصالات جبران باسيل "نية" عون في "استعادة جزين"، ورد أوساط رئيس المجلس نبيه بري القاسي عليه، أكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك خطوطاً حمراً، وحقوقاً مكتسبة، لا يحق لعون المساس بها.
وأكثر من ذلك، فالجنرال يعاني مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي يطالب بحصته الانتخابية "المستحقة" في المتن وبعلبك ـ الهرمل ومرجعيون، كمكافأة على دور ميليشياته في استباحة بيروت، والتي لا يستطيع "حزب الله" الوقوف ضدها، ولو "بيّضها" في إيصال رئيسه السابق علي قانصو الى حكومة الوحدة الوطنية، التي كادت أن لا تتشكل بسبب إصرار "8 آذار" على توزير قانصو.
أشكال التدخل السوري في الانتخابات
وتظهر أشكال التدخل السوري في الانتخابات النيابية، في عدم تغيير نظام الاسد تعاطيه مع بلد الارز، وبالرغم من بعض التعديلات الشكلية واللفظية، لا يزال يتدخل في الشؤون الكبيرة والتفاصيل الصغيرة، بالرغم من مراقبة المجتمع الدولي لوعوده والتزاماته تجاه لبنان، بعد "فك عزلته"، ولكن اللبنانيين أعلم بحال نظام "يفاوض من اجل التفاوض" لتضييع الوقت، كما يقول رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط. ولا بد من الاشارة الى أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم، عندما سئل خلال زيارته الى لبنان، عن استعداد سوريا لتعديل أسلوب تعاطيها مع لبنان، أجاب: "ان هذا يتوقف على التغيير في لبنان"، في اشارة ضمنية الى الانتخابات النيابية المقبلة التي تأمل دمشق ربما في ان تقلب موازين القوى بنتيجتها لمصلحة حلفائها.
فالنظام السوري لا يزال يصر على عقلية وصاية "الشقيق الاكبر" على "الشقيق الاصغر"، ويولي علاقاته بجماعة "شكراً سوريا" الاهتمام الاساسي على ابواب الانتخابات النيابية، ولا يعير القنوات الرسمية اي اهتمام يذكر، في وقت يماطل في إقامة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، والتي تقررت في قمة الرئيسين اللبناني والسوري في دمشق، فتبادل السفارات "معلق"، ولم يتم حتى اللحظة، بالرغم من تأكيد الرئيس ميشال سليمان أن ذلك سيتم قبل نهاية هذا العام.
والنظام السوري لا يضغط باتجاه إيجاد حلول لقضية سلاح "حزب الله"، حليفه الرئيسي في لبنان، المموّل من حليفه الاستراتيجي في إيران، فالسلاح من وجهة نظرهم، يلزم الحزب بتحرير مزارع شبعا، فيما يحق له أن يفاوض اسرائيل في الجولان من دون إطلاق رصاصة واحدة، ويحق له إعاقة جهود الحكومة اللبنانية الديبلوماسية لوضع المزارع تحت وصاية دولية، تمهيداً لاستعادتها الى السيادة، بعد ترسيم الحدود مع سوريا، وهذا ما يماطل النظام السوري بشأنه أيضاً، بين "لبنانية" المزارع أو "سوريتها"، بالرغم من تسليفه الرئيس سليمان موقفاً بأن المزارع لبنانية، من دون أن يقدم الوثائق الرسمية التي تثبت ذلك، كي يتم الانتهاء من هذه القضية.
الإرهاب .. وسلاح التفجيرات
والنظام السوري لا يزال يميز بين "حليف" و"عدو"، يدعي الحرص على أجواء المصالحات والحوار في لبنان، فيما يطلق أبواقه الاعلامية في لبنان للتهجم على المملكة العربية السعودية، وقيادات "14 آذار"، ويترك العنان لمطبخ نظامه المخابراتي لـ"الابداع"، في تلفيق الرويات للنيل من أطراف لبنانية، تعارض التدخل السوري في الشؤون الداخلية اللبنانية، واختلاق الاكاذيب وانتاج الافلام السينمائية مع ارهابيين احتضنهم، كما حصل في قصة الفيلم السوري لجهة اتهام "تيار المستقبل" بدعم الارهاب، ولو كان ضحى بعصابة "فتح الاسلام"، لتبرئة ذمته من الارهاب.
والنظام السوري حريص على إبقاء "جزره المسلحة" فلسطينياً خارج المخيمات. يحشد عسكرياً على الحدود الشمالية والشرقية، ويرتبك في تفسير السبب وراء ذلك، تارة بحجة مكافحة الارهاب وضبط الحدود، بالرغم من عدم إقفاله مسارب تهريب السلاح والرجال، وتارة أخرى يدعي بأن الحشود العسكرية تأتي في سياق تنفيذ القرارات الدولية، إلا أن ما يؤكده المراقبون أن هذه الحشود أهدافها انتخابية، لتخويف المواطنين اللبنانيين، والتأثير على خيارهم الانتخابي.
وأخيراً، وبعد جولة من "التفجيرات" الامنية شمالاً، والتي فسرت بأنها بداية للعبة الانتخابات الامنية في لبنان بأيد سورية، أتحفنا حلفاء سوريا في لبنان، وخصوصاً الوزير السابق سليمان فرنجية بمطالعات عن اغتيالات كبيرة شبيهة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تؤدي الى تأجيل الانتخابات النيابية، متماهياً مع كلام لصحيفة "الوطن" السورية، الناطقة باسم النظام عن "أن الانتخابات النيابية تواجه خطر التأجيل" لدواع أمنية.
.. و"معزوفة" تأجيل الانتخابات
ما سبق ذكره، فتح نقاشاً لدى المراقبين، يتعلق باستعداد النظام السوري للعودة الى "هواياته" في التفجيرات الامنية والاغتيالات، التي برع فيها طوال السنوات الثلاث الماضية، منذ محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حمادة، لانقاذ حلفائه من الخسارة في الانتخابات، في ضوء "التشكيك" بقدراتهم على الفوز بغالبية المقاعد في الانتخابات النيابية المقبلة، بعد ارتدادات غزوة 7 أيار السلبية على حلفائه في كل المناطق، معطوفة على النهج التعطيلي طوال السنتين الماضيتين، الى جانب تراجع شعبية العماد ميشال عون في الشارع المسيحي، لحساب مسيحيي "14 آذار"، وتحديداً "القوات اللبنانية" و"الكتائب" اللذين أثبتا حضورهما الفاعل على الساحة المسيحية في المناسبات كافة، فحاول النظام السوري إثارة قضايا خلافية لتمرير الوقت، عبر "الايعاز" الى حلفائه، بالمطالبة بتوسيع طاولة الحوار الوطني من اجل اشراك ثلاث شخصيات جديدة من المعارضة، بهدف تعزيز مواقع حلفاء دمشق، واستخدام مختلف الذرائع والمبررات لمنع مؤتمر الحوار الوطني من تبني استراتيجية دفاعية جديدة ملزمة تؤدي فعلا الى وضع سلاح "حزب الله" في تصرف الجيش والى تخلي الحزب عن قرار الحرب للدولة، لأن مثل هذه الخطوة، تضعف الموقف السوري التفاوضي مع اسرائيل ومع دول اخرى.
ورب سائل، بعد "معزوفة" تعطيل الانتخابات أو تأجيلها، التي باتت محصورة بتصريحات لشخصيات من قوى "8 آذار"، في الآونة الأخيرة، هل بدأت سوريا وحلفاؤها عملية تمهيد الطريق لتعطيل الانتخابات النيابية المقبلة؟ وهل يصح الافتراض بأن السؤال عن إمكانية إجرائها صار مطروحاً أكثر من أي وقت مضى؟.