#adsense

والجنرال خامسهم

حجم الخط

… والجنرال خامسهم

كل كلام على زيارة الجنرال ميشال عون الى دمشق ليس في محله، فرئيس "كتلة الاصلاح والتغيير" ربما لم يختر اسم كتلته هذه بالمصادفة، وها هو يكرس التغيير الموعود بتأكيد انقلابه على "حرب التحرير" وعلى خوفه من استمرار التدخل السوري في لبنان، فيذهب الى دمشق تحت رعاية النظام الذي قال فيه يوما ما لم يقله مالك في الخمر، وعلى محفة رضى ممن كان يرى في سلاحهم سلاح فتنة.

يقصد الجنرال سوريا متذكرا فجأة انها مهد المسيحية في الشرق، وناسيا فجأة ان ذلك لم يمنع نظامها عن ارتكاباته في لبنان، وتحديدا ما كان مسرحه "قصر الشعب" يوم 13 تشرين الأول 1990. وكلامه من باريس عن "مخابرات النظام السوري المحتل التي ستبقى في لبنان ولو انسحب عسكريوه" يصبح، في زمن الودّ المستجد: "من المنفى قلت حين ترحل سوريا، علينا ان نقيم معها افضل العلاقات".

وكلامه في اتهام "الاحتلال السوري" بعملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 عقب تنفيذها، المسجل صوتا وصورة عن التلفزيون الفرنسي، يصاغ من جديد وتصير الاشارة بإصبع الاتهام الى دمشق كلاماً سياسياً، ويعزز بتباك على الضباط الاربعة.

يقفل الجنرال باب النسيان على ماضيه بالانقلاب على شعاراته السابقة، وفي المقابل تبادله دمشق التكاذب. فالنظام المورث من الاب الى الابن، ليس مسؤولاً عما اصاب الجنرال. تماما كما هو غير مسؤول عن المثالب التي ارتكبها منذ 1976 الى 26 نيسان 2005، والاغتيالات التي اعقبت انسحاب الجيش السوري عسكريا.

فالمسؤول عن النهب المنظم والاعتداءات المتنوعة، كبيرها والصغير، على الافراد والجماعات، ارتكبها، بحسب رواية دمشق ومواليها في لبنان، من هم من الاموات والاحياء السوريين الذين خرجوا على النظام الاسدي، وبالتحديد نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام، واللواء "المنحور" غازي كنعان واللواء "المبعد" حكمت الشهابي. قبل ذلك، كان للجنرال انقلاب آخر. تناسى رأيه في طهران ودورها في لبنان، وما كان يقوله عنها قبل عودته من ملجئه الفرنسي مما لا ينسجم مع مبدأ زيارتها، وراح يكيل المدائح لها ولقيادتها "الحكيمة"!

عون الذي رفع في باريس شعار سيادة الدولة "كعبة" له، لم يجد ما يبرر به لانصاره ارتداده عن حملاته السابقة على الدعم الايراني العسكري والمالي والاعلامي لـ"حزب الله"، سوى ان يعاند ماضيه مدعياً ان طهران "ساعدت لبنانيين"، من دون ان يسأل لماذا لم يكن الجيش اللبناني مشمولاً بهذه المساعدة التي يكيل وحلفاؤه المدائح لزعمهم ان طهران مستعدة لتقديمها، ومن دون ان نلمح سراب وفد عسكري ايراني يزور لبنان حاملاً عرضاً بذلك. (فيما المعلومات الصحافية المتداولة تقول ان رئيس النظام الايراني ابلغ الى الرئيس اللبناني خلال لقائهما في طهران استعدادا لدعم الجيش اللبناني بالذخيرة وبالثمن المعتمد منها).

الجنرال في دمشق، بعد طهران، ليس بحكم المصادفات. فالزيارتان تستكملان "وثيقة مار مخايل" التي يعرف انها لم تحم عين الرمانة الا بصعوبة يوم أعادتنا الدواليب المحروقة والرصاص الملعلع الى ذكريات الحرب المديدة.

فـ"حلف السجاد" يقوم على عصب اساسي هو المشروع الايراني للعب دور اقليمي تحاول طهران انتزاعه على انقاض فشل ما تصفه بالمشروع الاميركي لتفتيت المنطقة: بدل ان تهيمن اسرائيل على منطقة دويلات، وفق المشروع الاميركي الفاشل، تتوكل ايران بالمنطقة بتفويض اميركي يقر لها بدور ومصالح.

لكن ذلك دونه طبيعة المنطقة، أي عروبتها التي لا تسمح بإمرار الطموح الايراني – الفارسي، وكذلك المجتمع الدولي الذي يرى في اسرائيل ركيزة اساسية في النظام والانتظام الدوليين والتي لا يأتلف وجودها ورفع طهران شعار تدميرها. لكن طهران لا تفقد المراهنة، وفي البحث عن اسباب القوة وتعزيز الاوراق تستخرج من ذاكرة التاريخ التجربة الصفوية بالاعتماد على الاقليات في المنطقة، وبتقديم نفسها حامية لها.

"ولكي يكتمل العقد، وبعد نظام دمشق و"حزب الله" في لبنان، و"حماس" في غزة (الاقلية الاصولية)، يأتي في آخر السلسلة بطل التحرير السابق، وتأتي زيارته دمشق تكريساً لما تم التفاهم عليه مع القطب العجمي.

وكي يكتمل "الديكور" استبق الجنرال الزيارتين بمنح ذاته وكالة عن مسيحيي الشرق، وستكون "جولاته" في دمشق بين الكنائس والاحياء والمناطق ذات الغالبية المسيحية محاولة سورية لإحكام الرتبة على كتفيه.

"حلف السجاد" يكتمل غداً بالجنرال، وتستكمل طهران أوراقها في انتظار ادارة باراك أوباما. ولن تكتفي بذلك، بل ستلجأ الى امتحان عود رجل البيت الابيض الجديد باشتباك محدود، تختار له ارضاً من اثنتين: لبنان أو غزة.

ذلك وحده يعطي خوف الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله المفاجئ من تأجيل الانتخابات معنى، وكذلك تخوف النائب السابق سليمان فرنجيه من اغتيال شخصية سياسية كبيرة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل