شاوُل والعالِم البرتقالي!
من اورشليم بدأت مسيرة شاوُل في اضطهاد المسيحيين الاوائل ، واكبر مآثره يوم ذاك كانت اشرافه على شهادات الزور التي الصقوها بـ " اسطفانس " (اول الشهداء) الذي رُجم بالحجارة خارج الهيكل حتى الموت ، وكان الشهود الراجمون يخلعون ثيابهم عند قدمي شاوُل قبل مباشرة عملهم ! وكان الرجل موافقاً على قتله ، وفي ذلك اليوم وقع ضغط شديد على الكنيسة التي في اورشليم ، فتشتت اتباعها في نواحي " اليهودية والسامرة " واما شاوُل فكان يدخل البيوت ويجر الرجال والنساء ويلقيهم في السجن (متى 26 / 64 ) .
وهكذا نجد ان مهد المسيحية وبداياتها كانت في فلسطين خلافاً لما حاول العالم البرتقالي ان يخبرنا به في ندوته المشهودة يوم امس .
ولمزيد من الأيضاح ، فإنه بعد هذا قصد الى " عظيم الكهنة " وطلب منه رسائل الى مجامع دمشق حتى اذا وجد اتباعاً هناك ساقهم موثقين الى اورشليم ( كانت السلطات الرومانية تعترف لعظيم الكهنة بالسلطة على اليهود حتى الذين منهم خارج فلسطين ) وفي طريقه سطع نورٌ من السماء حوله وسمع صوتاً يسأله : شاوُل شاوُل لماذا تضطهدني ؟ وكان بعد هذا ما كان من ايمان الرجل وتحوّله " بولس الرسول " الذي بشّر بأن يسوع هو ابن الله .
وشاوُل كان رجلاً يهودياً من كيليكية (ومواطناً رومانياً) وكان يتقن اللغة الأغريقية وعالماً بفلسفتها ، وهو كان اول من بدأ العمل على تعمّيد وصبغ المسيحية بالروح الهيلينية .
ومن بولس الرسول الى قديس مارون فإن اكثر من 350 عاماً مرت ، والخلط البرتقالي هنا اصدق انباءاً من كلامه عن العالم والجاهل وما بينهما …. واقع !
ومن شؤون الدين الى شؤون الدنيا ، فقد تبارى اركان التيار البرتقالي في تصنيف المسؤولين السوريين ، متهمين الثالوث المبعد خدام – الشهابي – كنعان بما تعرّض له لبنان وعون على يد السوريين ! لكن ارشيف وزارة الخارجية الفرنسية ينفي هذه الواقعة وينسفها ، حين ينقل عن السفير الفرنسي الذي التقى الرئيس حافظ الأسد في 20 آب 1990 ان الرجل المعروف بكياسته وتحفظه ابدى ضد عون رأياً في غاية الصرامة ! وكال له الشتائم ! وهذا يؤكد ما يعرفه المراقبون بأن لا رأي لأحد ولا قرار الاّ للرئيسين الأسد (الأب والأبن ) و … نقطة على السطر !
واذا كان العماد البرتقالي لا يريد ان يتوقف عند قتل عسكريين لبنانيين على ايدي السوريين او اخذ معتقلين الى السجون السورية ، فإن لبنان ما زال يتذكر كل الجرائم على امتداد مساحات الوطن ، في دير القلعة في بيت مري ، وفي الدوّار (فوق بكفيا ) وفي سوق الغرب ، وفي الحدث ، وفي بسوس (سقط 15 شهيداً مدنياً من عائلة واحدة ) وخصوصاً في ضهر الوحش حيث ابيدت السرية 102 (التابعة لللواء العاشر ) والتي استقبل مستشفى بعبدا الحكومي 80 جثة لجنودها ، ايديهم مربوطة خلف ظهورهم فيما الرأس والصدر يخترقهما الرصاص (نجا جندي واحد من عديدها ) وبرسم العماد المشرقي : فقد تمت تصفيتهم دون محاكمة ؟ !
ولا يكفي كلام الأعلام البرتقالي ودفاعه عن الزيارة كي يبرر الخطوة القاتلة التي يخطوها عون ، وايضاً لا يكفي الحديث عن الأجواء الأيجابية وما تتركه في نفوس المسيحيين في هذا المشرق من رجاء ! لأن التاريخ لا يقول ان استمرار المسيحيين هنا كان منة من حاكم قوي ، او قوة اقليمية مذهبية ، بل انه جاء دائماً بفعل الصدر والصمود ومقاومة المعتدين والشهادة للحرية وحرية المعتقد وحق ممارسته في آنٍ معاً .
واذا كان عون مقتنع بالزيارة ، فله ان يقوم بها دون حاجة الى تبرير او دفاع ، خصوصاً وان وضعه الميؤوس منه (شعبياً ) لم يعد يتأثر بإرتدادات الذهاب الى سوريا ، ولكن لا حاجة ايضاً لمحاولة تبرئة نظام دمشق من جرائمه الكبيرة والصغيرة والصاقها بـ " المحافظين اللبنانيين القدماء " الذين كانوا مجرد ولاة يتعين عليهم مراجعة " الصدر الأعظم " في كل كبيرة وصغيرة ! ولم يكن القضاء يجرؤ على اصدار احكام (ولو بسيطة) دون مراجعة ومشورة ! وكل تفاصيل الحياة اليومية كانت تخضع لإيقاع سوري محدد دفع من حاول الخروج عليه اثماناً باهظة ، وهذه الحقائق لا سبيل لنكرانها لأنها ثابتة في الوقائع والتواريخ ، ومسعى التزوير فيها (وفي غيرها ) لا يؤشر الى علم ! وصفة الجهل قليلة على من يحاول ان يوهم البسطاء بصدقية ما يعرف الجميع انه غير صحيح ولا يمت الى الحقائق بصلة .
ويبقى ان ايراد مقاطع مجتزأة من تصاريح سابقة ! ووصف الزيارة الى سوريا بالتاريخية ! وتبرير افعال النظام وجرائمه على مدى 30 عاماً ، امراً مستغرباً ، وسؤال العماد البرتقالي بعد سلسلة حروب مدمرة " هل تحب دمشق ؟ " قد يكون مبرراً ! ولكن جواب عون هو الصاعق وهو لا يدل الى علم او حكمة : " ولو و … طالما غنيت مع سعيد عقل وفيروز سائيليني يا شام " والتاريخ هو العام 1994 !! … دون تعليق ! .