#adsense

عودة الإبن الضّال أم “اعتراف سوري بالخطأ”؟

حجم الخط

جدلٌ حول النتائج المتوقّعة من الرحلة "التاريخية" لعون
"عودة الإبن الضّال" أم "اعتراف سوري بالخطأ"؟

عشية 13 تشرين الاول 1990، اوفد الرئيس الياس الهراوي ابن اخته وعديله خطار حدثي الى القصر الجمهوري حيث كان يتحصن القائد السابق للجيش العماد ميشال عون بصفته رئيساً للحكومة العسكرية الانتقالية، ومهمتها بموجب الدستور تأمين اجراء الانتخابات الرئاسية في اسرع وقت. ولكن، وعلى رغم انتخاب الرئيس رينه معوض ثم اغتياله في عملية تفجير لم ينجل عنها الغموض بعد مرور 18 عاماً عليها، وعلى رغم انتخاب الرئيس الياس الهراوي بعد اقل من 48 ساعة على جريمة الاغتيال، بقي "الجنرال" "متمترساً" في القصر الجمهوري رافضاً الاعتراف بالرئيس الثاني المنتخب، او إخلاء القصر للشرعية بحجة انها عنده وحده حصراً، وان كل ما جرى ويجري، كان في رأيه "غير شرعي وغير دستوري".

بعد ظهر 12 تشرين الاول، وصل حدثي الى قصر بعبدا، وكان من الاصدقاء الأقربين الى الشهيد داني شمعون الذي كان بدوره يشارك في مساعي الخير، وقد ساهم في ترتيب اللقاء سريعاً بين حدثي وعون. ونقل الموفد رسالة من الرئيس الهراوي مفادها ان ثمة قراراً محلياً وسورياً واقليمياً ودولياً قد اتخذ بازالة التمرد وإجبار عون بالقوة على مغادرة القصر الجمهوري وتسليمه للشرعية "ومن الأفضل بالتأكيد ان يتم ذلك سلماً، وبالتوافق، فتكون بذلك قد وفّرت على اللبنانيين عملية عسكرية، وعلى المناطق المسيحية ولا سيما في بعبدا والمتن وكسروان، دخولاً عسكرياً سورياً، لا بد من ان يشمل وزارة الدفاع والقصر الجمهوري".

وكانت قيادة الجيش عامذاك في عهدة العماد اميل لحود المعيّن من جانب "الحكومة الشرعية". فكان فحوى رد عون على الرسالة قوله للموفد الرئاسي: "قل لخالك انه هو من سيذهب وانا الباقي". فكان لا بد من آخر الدواء… الكيّ، بكل ما فيه من دماء وضحايا وشهداء ومفقودين مدنيين وعسكريين لم يكشف عن مصيرهم بعد. وغادر "الجنرال" القصر لاجئاً الى السفارة الفرنسية. وقد شوهدت في اليوم السابق (12 تشرين) ناقلة جند للجيش تجري "رحلة تجريبية" بين القصر والسفارة لتقدير الوقت الذي تستغرقه رحلة "جلاء الجنرال المتمرد" عن قصر بعبدا (وفق معلومات امنية رسمية).

كانت تلك باختصار، احدى اهم محطات "صعود" الجنرال: اولاها تكليفه رئاسة حكومة انتقالية (قيل الكثير عن ظروف تكليفه من الرئيس المنتهية ولايته امين الجميل، وطُعن في شرعيتها بسبب استقالة نصف اعضائها فور تشكيلها)، وآخرها رحلة العودة من المنفى الباريسي ناخباً قوياً فرئيساً لكتلة نيابية كبيرة جعلت منه الزعيم المسيحي الابرز بل "الزعيم الاوحد للمسيحيين" وفق انصاره ومؤيديه، وطامحاً الى رئاسة الجمهورية، وإن لم يوفق في تقديم نفسه مرشحاً توافقياً بعدما اخذ خياره السياسي طرفاً في الصراع الداخلي.

وبعد سنوات طويلة على حروب "التحرير" و"الالغاء"، وصراعات بين "الحكومة الشرعية" و"تجمع الصنائع" (وفق تسمية عون حكومة الرئيس سليم الحص) و"الجنرال المتصهين" (وفق الاعلام السوري في تلك المرحلة) و"تحرير لبنان من الاحتلال السوري" (وفق الشعار الذي اطلقه عون واعلامه من بعبدا)، مروراً بالعودة وسياسة الانفتاح ومشاريع التفاهم وقد مُهّد لها بغزل مفاجئ من "اعداء" الامس، وبحملة ترحيب واسعة النطاق من احزاب كان يصنفها "غريبة ومأجورة ومستوردة"، وصولاً الى زيارة ايران فدمشق، يبقى الرجل مثيراً للجدل ولا سيما بمشواره الطويل بين "المحور الاميركي – الغربي" و"المحور السوري – الايراني"، وبين مصفق لنقلته النوعية في السياسة محلياً واقليمياً، ومتهم اياه بـ"الإنعطاف" و"الإنقلاب" و"التغيير في المواقف" وبكل الاوصاف التي طالما نعت بها خصومه. وقد بلغ هذا الجدل ذروته عشية الزيارة "التاريخية" التي يبدأها الجنرال اليوم لدمشق ولمدن ومناطق سورية اخرى منها حماه وصافيتا ومعلولا، ببرنامج حافل رسمي و"شعبي" يطغى عليه الطابع المسيحي لسببين على الأقل: الأول ان عون قدّم نفسه، كما قبل زيارة طهران، حاملاً هموم "مسيحيي الشرق"، وتحدث عن سوريا "مهد المسيحية"، والثاني هو البرنامج "الكنسي" الذي أُعد له على هذا الاساس.

وسط هذه الأجواء يبدو عون واثقاً من ردة الفعل الشعبية المسيحية على زيارته، ولا تخوّف لديه، استناداً الى تصريحاته المتكررة، من تداعيات سلبية لها على وضعه الانتخابي. فهل هي "الثقة الزائدة" بالنفس، ام حقيقة المزاج الشعبي المسيحي و"العوني"؟ مرة جديدة يفترض ان يكون الجواب والخبر اليقين في صناديق الاقتراع.

واما ما يجعل الزيارة "تاريخية" او عادية، فهي النتائج التي يمكن ان تسفر عنها، اقلّه في ما يتعلق بالملف الانساني، ملف المفقودين والمعتقلين في السجون السورية، وهو يعني اللبنانيين جميعاً، ولا سيما منهم بالطبع اهالي هؤلاء، وإن يكن عون قد استبق الزيارة بإحالة السائلين عن هذا الملف على اللجنة المشتركة التي تم تشكيلها، ومسؤولية "الدولة" عن هذا الملف. ولكنه بالتأكيد لن يكون "مستاء" اذا أُعطي شيئاً في هذا الصدد، كأن يعود على رأس موكب يضم، على الاقل، بعض هؤلاء. واللبنانيون على اختلافهم، سيكونون مستفيدين من اي نتائج تحققها الزيارة. ولكن السؤال البديهي سيكون مرة جديدة: هل يُعطى عون في دمشق ما لم يُعط لغيره، ولرئيس الجمهورية خصوصاً؟ وهل يطرأ جديد على ملف انساني بعد نفي سوري وجود معتقلين لديها خارج اطار التوقيفات والاحكام القضائية العادية، وبعد رد بلوائح مشابهة لمفقودين سوريين في لبنان؟

وأياً تكن النتائج المتوقعة، من تلك الزيارة، فإن حصولها، حدث في ذاته، ولا يمكن ان تقارن بزيارات "روتينية" لسياسيين وحزبيين تعج بهم طريق دمشق ذهاباً واياباً وبوتيرة شبه يومية… ولأنها كذلك، لا يمكن تجاهل نتائج محتملة لها، وإن يكن استباق الزيارة والجزم بنتائج "مضمونة" يشكل إضعافاً لها، وقد "وقع" في هذا اللغط منظّرون للزيارة، من حيث لا يدرون، اقله من خلال "تعظيمها" وتشبيهها من عون نفسه، بزيارة الجنرال شارل ديغول الى المانيا عام 1959 بعد حرب 1945!

وسيمر وقت طويل قبل ان يتوقف الحديث عن الرحلة "التاريخية"، سواء اسفرت عن نتائج عملية او اقتصرت على تصريحات المجاملة والعموميات لدى الوصول وعند المغادرة.

واخيراً، هل يكون المشهد السياسي عند الجنرال مختلفاً بعد الزيارة؟ وهل يحكى عما قبل الزيارة وعما بعدها؟
وهل الرحلة "تلاوة فعل ندامة" و"عودة الابن الضال" كما يقول خصومه وهذا ما نفاه شخصياً، ام ان الدعوة هي "اقرار واعتراف بالخطأ السوري تجاهه" كما يقول أنصاره؟

مرة جديدة، وككل زيارة مشابهة، تبقى النتائج هي المعيار… والفيصل!

المصدر:
النهار

خبر عاجل