الخيارات الإقليمية الخاطئة.. والكارثة على مسيحيي لبنان والشرق.. التنظير لعداوة "بديلة" مع الشريك المسلم
عون حالةٌ مرَضية في الشام
لا شيء يدعو إلى الإستهجان. لا شيء يدعو إلى "الإستنفار". فوجود الجنرال عون في سوريا اليوم، بعد أسابيع قليلة من زيارته إلى إيران، هو وجود طبيعي جداً. فبين طهران ودمشق "يقيم" الجنرال سياسياً منذ فترة طويلة. وفي المكانَين يؤكد خياراته الإقليمية، وإرتباطاته الإقليمية ورهاناته الإقليمية.
المقارنة في ضوء التجربة
بطبيعة الحال، ثمة "أبواب" عديدة لمناقشة هذه الخيارات والإرتباطات والرهانات، من موقع لبنان ومصالحه، ومن موقع الدولة وإستراتيجيتها، ومن موقع السياسة الأفضل لإدارة علاقات لبنان ومصالحه. بيد أن ثمة مدخلاً أساسياً إلى مقاربة وجود الجنرال في سوريا بعد إيران ومعناه وتداعياته، هو مدخل المقارنة بين الحاضر والماضي في تجربة عون نفسها.
الخيار الإقليمي العراقي قبل عقدين ونتائجه
بين 23 أيلول 1988 و13 تشرين الأول 1990، أثناء توليه رئاسة الحكومة العسكرية الإنتقالية ثم أثناء تمرده على إتفاق الطائف، إنعقد رهان الجنرال آنذاك على نظام الرئيس العراقي صدام حسين. بنى حساباته على قوة هذا النظام وعلى خروجه قوياً من حربه مع إيران.. وعلى إجتياحه الكويت. لكن سرعان ما تبيّن، بنهاية عون في بعبدا، أن الرهان إنما كان على أوهام، بل إن الرهان كان على "ذاهب" أو "راحل".. أي على "اللامستقبل". غير أن الكلفة كانت كارثة موصوفة مسيحياً ولبنانياً.
للذكرى، خاض الجنرال على "رافعة" الدعم من جانب النظام العراقي، حرب تحرير لبنان من سوريا بعد أن رفض نظام حافظ الأسد آنذاك عضويته كجندي صغير في جيشه ورفض دعم مجيئه إلى سدة الرئاسة اللبنانية. فشلت "حرب التحرير" لكن عون استمر في رهاناته. على دعم نظام صدام في وجه سوريا من جهة، وعلى إثبات نفوذه في المناطق المسيحية لإكتساب إعتراف سوري في الوقت نفسه من جهة ثانية. إنتقل بعد شهور من حرب التحرير من سوريا إلى "حرب الإلغاء" وقد وضعها يومئذ تحت عنوان "توحيد البندقية" و"سيطرة الشرعية" و"سلطة الدولة". وكانت الكلفة باهظة مسيحياً. والأهم أن الجنرال مضى في رهانه فسعى إلى إسقاط إتفاق الطائف غير آبه إلى المعادلات التي كان من شأنها حينذاك أن تحوّل مضمون إتفاق الطائف من إتفاق ينهي حرب لبنان ويحرره من الجيوش الأجنبية في آن إلى "شيء آخر" هو الوصاية السورية على لبنان.
في التجربة إذاً إن الجنرال أقام في تاريخه على خيارات وإرتباطات ورهانات إقليمية ثبت عقمها، لكن بعد أن كلفت أثماناً باهظة لمسيحيي لبنان، وللبنان كله إذ انتهت في حينها إلى تكريس وصاية سورية وإلى تمديد هذه الوصاية خمسة عشر عاماً، فيما كان الإدعاء بأن المعركة هي من أجل "طرد الإحتلال" و"إسترجاع السيادة".
الخيار الراهن مع محور "ذاهب"
واليوم، يكرر عون الخيارات والرهانات الخاطئة. الخيار مع "محور ذاهب" والرهان عليه. والكلفة كارثية مرة أخرى. وفي هذه الكلفة على المسيحيين اللبنانيين أنه يجعل منهم غطاء لـ"صيغة" يتناقض معها دورهم في الشراكة الوطنية. وفيها انه يُخرجهم من الوفاق الوطني "الشامل" لـ"يوظّفهم" في تفاهمات تضرب منطق وجود الكيان وتُسقط مشروع الدولة وتدمر النظام السياسي الديموقراطي. ولبنانياً، فإن الكلفة "تبدأ" بتمديد التدخل السوري في لبنان بل تستدعيه، و"تمرّ" بتكريس علاقة سوريّة غير سويّة بلبنان المستقل بدعوى أن سوريا باتت خارج لبنان.. ولا تنتهي بفتح لبنان ساحة لتحدي دمشق وطهران المجتمعين العربي والدولي في وقت يتأكد أكثر فأكثر أن سلام لبنان وكل ما يتفرّع عنه مرتبط بحياده عن صراعات المحاور بالعلاقة مع قرارات الشرعيتين العربية والدولية.
دور تخريبي حيال المسيحيين السوريين.. والمحكمة الدولية
على أن الأنكى من كل ما تقدم، هو أن من يُسمّي نفسه زعيماً لمسيحيي لبنان لا يكتفي بمحاولة ربطهم بخيارات خارجة عن الطبيعة، بل يزور سوريا مدّعياً زعامة مسيحيي الشرق، وقد دغدغه نظام الأسد كما النظام الإيراني بهذا "اللقب".
الخطورة هنا، هي أن النظام في سوريا "يستخدم" الجنرال "في وجه" المسيحيين السوريين. "يستخدمه" النظام في محاولة لتحصيل تأييد من المسيحيين السوريين في مواجهة أي ردود فعل سنية سورية عندما تكشف المحكمة الدولية دوره في إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، خاصة أن الجنرال راح في الآونة الأخيرة يبرئ نظام الأسد من الجريمة الإرهابية. ويحاول النظام السوري أن يبني على ارتباط عون به إدعاءً بأنه "عابر للطوائف" في سوريا وبأن خياراته صحيحة. وبهذا المعنى، فإن الجنرال يؤدي دوراً يهدّد المسيحيين السوريين ومستقبلهم. فبدعايته لنظام الأسد لا يمارس التضليل وحسب بل يكلّف نفسه بمهمة وضع مسيحيي هذا البلد في تصادم مع محيطهم العربي والإسلامي ومع الشرعيّتين العربية والدولية.
العداوة مع الشريك المسلم
أما الخطورة الأكبر، فهي أن الجنرال يقوم بذلك كله فيما يعلن بلا مواربة أن عدوّه في لبنان هو الشريك المسلم، السنّي تحديداً.
فتبريراً لـ"نظريّته" القائلة إن "سوريا صارت في سوريا" وإن العلاقة معها هي علاقة صداقة وأكثر، لا يخفي عون إستهدافه الشريك المسلم الذي لا يتردّد في اتهامه بأنه أخذ مكان الوصاية السورية. وكل الخطاب العوني مبنيّ على فبركة هذه العداوة المسيحية ـ الإسلامية ويتوسّل "قاموساً" عن حماية مطلوبة للمسيحيين من المسلمين ـ السنّة ـ وقد باتوا جميعهم "متطرفين" و"أصوليين" بعرف الجنرال. وذلك من دون إغفال التوازي في الخطاب العوني بين الحرب على الشريك المسلم في الداخل والعدائية حيال الاعتدال العربي والإسلامي في المنطقة.
مرَض!
إذاً، ليس ثمة ما يدعو إلى الإستغراب في أن يكون الجنرال عون في سوريا اليوم، في ضيافة النظام الذي ما اختلف معه يوماً إلاّ على شؤونه هو، فيما قدّم له خدمات سياسية جلّى عبر العقدين المنصرمَين.
المسيحيون يدفعون الثمن في كل مرة.. ويدفعونه اليوم كونهم "إنغشّوا" بالجنرال.
لكنها الحالة المرضية التي تختار خطأ وتسير مع "الرايح" لا مع "الآتي". والمقدّمات الآنفة تفيد عن الحصيلة.