معظم حواضرها من أعمال تركيا اليوم ولبنان استمراريتها الحضاريّة
سوريا المسيحيّة هي سوريا الرّها ونصيبين وفم الذهب
أنطون سعادة ابتدع لقوميّته الإجتماعية وطناً سمّاه سوريا الطبيعيّة. أراد به الإحتجاج على الكيانية اللبنانيّة الناشئة. ميشال عون أدخل على هذه العقيدة الأولى نكهته الخاصّة: جعلها سوريا المسيحّية. كان ذلك عشية زيارته إلى دمشق، وقد عاب على الأخصام جهلهم بحقائق الجغرافيا والتاريخ.
في حالة سعادة، كان ثمة جزء من وعي أرثوذكسي المنبت ظلّ يرفض تبعات فشل مؤتمر الساحل لعام 1936، ويصرّ على الإشتباك مع الكيان الفتيّ. وفي حالة عون هناك جزء من الوعي المارونيّ يخال أنّ تحصيل حقوق الطائفة والمسيحيين ككل يمرّ من طريق زعزعة بنيان جاءت أسسه في إتفاق الطائف.
مهد المسيحية
الدافع الأرثوذكسي الأوّلي سرعان ما قاد سعادة إلى التخفّف من الإنتماء الواضح إلى ملّة بعينها، والمغامرة في إبتداع دين جديد يمزج بين وثنيّات الهلال الخصيب القديمة وبين الديانات السماوية باعتباره منجز الصياغة النهائية وباعث النهضة والقادر على تنقية تراث الأمة من مؤامرة البداوة واليهودية، تلك اليهودية التي وجدنا كيف اكتشفها أنصاره بعد ستين عاماً في شخص الزميل عمر حرقوص في شارع الحمرا فأشبعوه ضرباً مردّدين: يهودي، يهودي، يهودي.
أما الدافع الماروني الأوّلي فيقوده العماد عون وهو يعيب على أخصامه المسيحيين تجاهل حقيقة إسمها سوريا مهد المسيحية. فهو من حيث يدري أو لا يدري يدير ظهره بالكامل لتلك النظرة التي سادت بين الموارنة حول تاريخهم، أو قل لـلاهوت التاريخ عند الموارنة.
قبل عون كان يجري التعامل مع الهجرة المارونية من شمال إلى جنوب مجرى نهر العاصي وصعوداً إلى أعالي لبنان وإنتشاراً في جروده بوصفها، في وقت واحد، حماية لما تبقّى من روح متنسّكة حرّة بعد ضياع سوريا المسيحيّة وفعل إنسلاخ دائم عن سوريا الأخرى، تلك التي ودّعها هرقل الروم بالقول ن لا لقاء بها بعد اليوم ولم تجر إعادة إكتشافها إلا في القرن التاسع عشر يوم أعاد إليها المستشرقون إسمها، هذا الإسم الذي ما عرف الكيان السوريّ كيف يتصالح معه إلا بإبتداعه لمقولة العربيّة السوريّة.
وسوريا المسيحيّة كما أعاد استذكارها العماد عون لا تعني كثيراً الجمهورية العربيّة السوريّة الحاليّة والنظام البعثيّ. أوّلاً لأن معظم حواضر سوريا المسيحيّة هذه موجود خارج أراضي الجمهوريّة المذكورة. فالرّها ونصيبين وملاطية تقع اليوم في تركيا لا في سوريا. وعاصمة سوريا المسيحيّة نفسها، أي أنطاكية، جزء من تركيا، ومعها كامل لواء الإسكندرون، والحدود مرسّمة هناك.
فإذا ما صنّف عون زيارته إلى بلاد البعث تحت شعار إستحضار سوريا المسيحية فإما أنّه يدعو لإسترجاع الرّها ونصيبين وملاطية ومردين وأنطاكية واللواء السليب حتى طرسوس وبقية أعمال كيليكية، وإما كان الأجدى به أن ينظّم رحلة حضاريّة دينيّة إستكشافية للمدن المذكورة ويمكن أن تيسّر أمرها له أي شركة سفريات.
أما إذا كانت سوريا المسيحيّة تحيل عند الجنرال إلى ذلك التشبيه غير الجائز بينه وبين بولس الرّسول الذي سأله النور على طريق دمشق شاول شاول لم تضطهدني فتلك والله مصيبة ما بعدها مصيبة. فبولس شاول، إبن طرسوس الموجودة في تركيا الآن، كان هو الذي يضطهد المسيحيين الأوائل قبل تنصّره، فهل أنّ عون يعترف بأنه كان يضطهد النظام السوريّ قبل السفرة الميمونة؟ وبولس الرّسول تبدّلت حياته على طريق دمشق لا ليمكث فيها، أو على مقربة، وإنما ليتوجّه إلى الأمم، في بعثة حملته إلى مدن آسيا الصغرى وبحر إيجه وبلاد اليونان وكريت ومالطة وصولاً إلى إستشهاده في روما. إبن طرسوس اليهودي المتنصّر واليونانيّ الثقافة والوعيّ أسّس بموجب هذه البعثة كلاً من الديانة المسيحيّة والحضارة الغربيّة. فكيف تقارن سفراته ورسائله بزيارات عون والألقاب التي تتساقط عليه كـرأس مسيحيي الشرق وكـخصم شريف تخاض معه الحروب بفروسية وروح رياضية، ولا يسأل بعدها عن التفاصيل، لا عن الذين قضوا ولا عن المفقودين والمعتقلين.
وسوريا المسيحيّة التي تحدّث عنها الجنرال، أليست سبباً كافياً لجعله يدين تلك الحملة المستمرة من الإساءة سبتاً في تلو سبت لقدس أقداس سوريا المسيحيّة، القديس يوحنّا فم الذهب إبن أنطاكية العاصمة؟ يسمّونه فم التنك في صحفكم يا جنرال، فكيف يعقل؟ والسؤال طبعاً ليس موجّهاً فقط إلى الجنرال، إنه أيضاً برسم المجلس الكاثوليكي للإعلام وقبل ذلك برسم أحد العارفين الكبار لعظمة يوحنا فم الذّهب وعدم جواز التعريض بقدسيته بهذه الطريقة، عنينا وزير الإعلام طارق متري. فليتحرّك هو أيضاً، لأنه مطلوب وقف المهزلة. إنها ليست أقلّّ من الرّسوم الدانماركية.
أي سوريا؟
سوريا المسيحية يا جنرال ليست سوريا الضابط في المخابرات جورج سلّوم الذي طلب زرع متفجرات في ساحة الشهداء عشية إحياء الذكرى الأولى لإستشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط 2006. ولا هي سوريا رئيس تحرير صحيفة الثورة إلياس مراد. سوريا الحالية هي تلك التي وصفها المغدور ميشال سورا بأنّها دولة البرابرة. أما سوريا المسيحية فهي سوريا يوحنا فم الذهب وأفرام السوري كنّارة الرّوح وثيوفيل القورشي المارونيّ في العصر المسيحي الأول، وهي سوريا التي أعاد إحياءها بودوان الثاني وجوسلان دو كورتينوي في العصر الوسيط، إلا أنها لمّا صارت أثراً بعد عين تحوّل كلّ رصيدها الحضاريّ إلى لبنان، ولو بعد لفتة من بطرس البستاني والأب لامنس كادت تصطدم بعمود الملح. سوريا المسيحية مستمرّة في لبنان حصراً، وبفضل الميثاق. أما في أنحاء الشرق الأخرى فهي حفريات تروي وتبكي أمجاد الأوّلين وأقليّات تنزف وتنقرض وليس إنقاذها بمبايعة أكبر نظام ثيوقراطي في المنطقة وأعتى نظام تسلّطي فيها.