#adsense

عملية زراعة قلب

حجم الخط

عملية زراعة قلب!

لو كان الجنرال ميشال عون قد قال عام 1989 ما سمعناه منه امس في دمشق لكان وفر على نفسه اولاً وعلى اللبنانيين ثانياً، الكثير من الويلات والمآسي. ولربما لم نكن لنصل الى ما نحن فيه وعليه الآن من نعم الله سبحانه وتعالى.
يومها كان الجنرال يحكم مع ضابطين مسيحيين ما كانت تسميه دمشق "المناطق الانعزالية". وكان يتحدث على ما يتذكر الذين ناموا في الملاجئ طويلا عن "هز المسامير" وعن "التكسير" وعن "تدمير بيروت مرة تاسعة" وما الى ذلك من عراضات القوة، التي انتهت في تشرين الاول من عام 1990 بكارثة لا حاجة بأحد الآن الى اعادة نبش ذكرياتها المرة.

كان الرئيس السوري المرحوم حافظ الاسد يشارك يومها في القوة الدولية التي شكلها جورج بوش الأب لتحرير الكويت من الغزو الاحمق الذي نفذه صدام حسين. وفي تلك المرحلة بالذات وجدت حكمة الجنرال ان من الملائم شن "حرب التحرير" اي تحرير لبنان من سوريا (!) وكان ما كان في النهاية من تحرير قصر بعبدا من "الحكومة الانعزالية الغاصبة" كما كان يطلق عليها، مع ما رافق ذلك وسبقه ايضا وايضا في خلال "حرب توحيد البندقية" كما قال الجنرال و"حرب الالغاء" كما قالت "القوات اللبنانية"ـ من سقوط الضحايا وتدمير الاحياء والبيوت وتهجير المسيحيين في اصقاع الدنيا.

❒❒❒

كان ذلك قبل عقدين من الزمن تقريبا، والزمن يطوي كل شيء تقريبا. وليس هناك فعلا في تاريخ الشعوب عداوات دائمة وصداقات دائمة. ومن حق الجنرال عون الذي يحصد في سوريا الآن حفاوة لم يحصل عليها حتى الرئيس ميشال سليمان تقريبا. ولا حصل عليها احد من حلفاء دمشق في لبنان، ان يقول بالفم الملآن:
"ان ما كان يُعتقد انه محرم اصبح حلالاً وحلالاً جدا".
لكن من حق خصومه ان يقولوا وبالفم الملآن ايضا: "الله الله يا دنيا". كما من حق كثيرين من انصاره ان يبتلعوا ريقهم في صمت وربما ان يتعرقوا في صمت ايضا.

❒❒❒

لا ليس غريبا ولا مستغربا ان يذهب الجنرال عون الى دمشق ففي النهاية لبنان وسوريا بلدان شقيقان. ويجمع اللبنانيون اليوم على ضرورة قيام علاقات طبيعية بين البلدين وفي وقت لا يتوانى النائب سعد الحريري عن الدعوة الى قيام علاقات ندية متساوية مع سوريا.
ولكن ما دام عون قد اختار ان يتحدث في دمشق عن: "الجرأة في مواجهة الماضي وليس الهروب منه او محوه من ذاكرتنا لئلا نكرر الاخطاء" فمن حق اللبنانيين ان يسألوه: اخطاء من تقصد؟ واي ماض ذاك الذي لا تريد ان تمحوه؟
إن الامر هنا يحتاج الى توضيح اذا كان هناك فعلا رغبة في بناء المستقبل الزاهر الذي تتحدث عنه.

❒❒❒

ولأن عون تحدث عن الماضي وما فيه من اشياء أليمة في نظره. كان عليه ربما ان يختار تعبيرا ادق. فبدلا من الحديث عن "عملية القلب المفتوح" التي وصف بها تنقية الوجدانيين اللبناني والسوري، ربما كان عليه ان يتحدث عن "عملية زراعة قلب جديد" وفي صدره هو بالذات، ما دام يتهم خصومه بأنهم كانوا من حلفاء سوريا يوم كان هو يشن "حرب التحرير" ضدها!
زراعة قلب جديد لعون (وسلامة قلب الجنرال اصلا) ما دام يتحدث عن ان "الفرق كبير والظروف تغيرت اليوم والتقويم تغير والمسؤولين تغيروا".
ولكن عندما تكرر دمشق دائما ثبات سياساتها واستمرار نهجها كما كان ايام الرئيس حافظ الاسد، فان التغيير هنا يصيب الذي يرفع شعاراته اصلا. ولهذا فالمسألة هي فعلا عملية زراعة "قلب" جديد.

❒❒❒

وعندما يدعو عون خصومه الى ان يكونوا واقعيين ومنطقيين وان يفكروا اين مدخل لبنان الى الدول العربية، فمن حق هؤلاء ان يتساءلوا لماذا تأخر عشرين عاما ليكتشف المُكتشف اصلا منذ ما قبل الاستقلال. ولماذا ادار مدافعه نحو مواقع السوريين في آذار عام 1989؟
كان طريفاً جداً ان يصف عون العلاقة مع اميركا بأنها مثل "الطقس المتقلب" بينما هي في الواقع مثل الاعاصير المدمرة والبشعة. فقد كان لاستعمال كلمة "تقلب" نكهة لذيذة هنا. اما عندما تحدث عن "جماعة اميركا" الذين سيخسرون في لبنان، فقد فاته ان يبلِّغ اللبنانيين انه من "جماعة من" الآن؟!

❒❒❒

عندما سئل عون عن اعتذار سوري للبنانيين عن كل الاعوام الماضية التي حكم فيها الجيش السوري لبنان تساءل:
وهل اعتذر الذين كانوا شركاء لسوريا. يجب ان يعتذر الموجودون في بيروت، اولا نبدأ من بيروت ثم نصل الى الشام.
حسناً ولكن في سياق الاعتذارات ليس هناك أدنى ريب في ان مار مارون سيسأل الجنرال حتما، عندما يدلف الى ديره قرب حلب:
ومتى تعتذر انت يا جنرال للموارنة والمسيحيين واللبنانيين جميعاـ وتبدأ معهم "عملية قلب مفتوح" كما فعلت مع السوريين. ام انك ستبقى طائرا على ارتفاع 60 كيلومترا؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل