أنظمة أمنية … وانتخابات لبنانية؟
سيكون من باب الترف أن يعتبر اللبنانيون نظامهم البرلماني الملجأ الأول والأخير والناظم لحياتهم السياسية والوطنية. ومع ضرورة وحتمية تمسكهم بهذا النظام، في ضوء تجارب الانقلاب عليه قبل مدة، خصوصاً في ضوء ما نحن مقبلون عليه من انتخابات نيابية بعد مدة مماثلة، إلا انهم يعيشون مرحلة لابرلمانية بامتياز، قد لا يعرفون اسبابها بدقة أو لا يعترفون بهذه الأسباب، قد تدفعهم الى مزيد من الانزلاق نحو الأخطار، لكنها تفرض عليهم في الحقيقة مزيداً من الوعي بأهمية التزام هذا النظام البرلماني، بمعنى الاحتكام الى صناديق الاقتراع والقبول بنتائج الانتخابات والبناء عليها في قيام السلطات الدستورية.
وفي الأشهر القليلة المقبلة سيتوجب على الفرقاء السياسيين في لبنان، الحريصين فعلاً على تكريس مبادئ الاستقلال والسيادة، العمل أولاً لتكريس مبادئ العمل السياسي الديموقراطي والانتخابات النيابية هي أولى محطاته، ويقتضي تكريس هذه المبادئ الالتزام سلفاً، وربما يكون هذا أحد بنود جدول أعمال طاولة الحوار في الثالث والعشرين من هذا الشهر، بالذهاب الى الانتخابات في أجواء سلمية هادئة ومسؤولة، ثم بالقبول بنتائج هذه الانتخابات التي يقررها الناخبون في صناديق الاقتراع، وبالتالي قبول الأقلية المحتملة بما سترسمه الأكثرية المحتملة في شأن بناء مؤسسات الحكم، أو الالتزام بالتواصل الى تقاسم سياسي كما يجرى في كل البلدان الديموقراطية، فإذا استحال ذلك يتم الاحتكام مرة أخرى الى انتخابات مبكرة.
نقول هذا الكلام، لأننا بدأنا نسمع كلاماً حول إصرار الأقلية على الفوز بالانتخابات، وتهديدات من بعض أوساطها بـ «7 أيار» آخر، الأمر الذي سيدفع الأكثرية الى حذر وردود فعل قد لا تكون في مصلحة الانتخابات ولا في مصلحة البلد، وبالتأكيد ليس في مصلحة الأقلية الطامحة الى تنفيذ وعيد لا وعد باجتثاث الأكثرية القائمة على طريقة اجتثاث البعث في العراق.
لذلك يبدو ان ميثاق شرف في شأن الاستحقاق اللبناني المقبل يبدو أمراً ضرورياً، فإذا طرح على طاولة «الحوار الوطني» واتخذ قرار في شأنه، يمكن تحويله ليقر في مجلس النواب ويصبح سياسة معمولاً بها على المستوى الشعبي العام، عنوانها التزام مبادئ الديموقراطية واحترام المؤسسات والدستور.
وبديهي ان تحقيق ذلك سيسهل البحث اللبناني الشامل في القضايا الأخرى، بدءاً من موضوع السلاح غير الشرعي مروراً بكيفية إعادة بناء علاقات لبنان بمحيطه العربي ومع سورية خصوصاً، وصولاً الى لحظة المواجهة مع إسرائيل لتثبيت الحقوق اللبنانية في الأرض والمياه والأجواء وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين انطلاقاً من حقهم في العودة الى أرض وطنهم.
كل ذلك مرتبط، بالحلقة المركزية الأولى: هل يلتزم اللبنانيون موجبات نظامهم البرلماني أم لا، فإذا كان الجواب نعم، فإن طريق التسويات والحلول سيكون مفتوحاً وإذا كان الجواب بـ «لا»، فإن طرقاً أخرى سترتسم لافتاتها بألغام وتوترات تبقي هذا البلد رهن مشاريع إقليمية ودولية أكبر منه، بل مميتة له.
فنحن نتحدث عن الديموقراطية في عالم ومحيط تسودهما عواصف لم تهدأ، وتحكمهما في ظلها أنظمة أمنية تبدو هي الممسكة بزمام الأمور ولو إلى مواعيد مختلفة. ففي الولايات المتحدة الأميركية التي تعيش مرحلة انتقالية بين رئيس منتخب ورئيس منصرف، يمسك الأمن بالقرار، ولم يكن صدفة ان يكون الاجتماع الأول لباراك أوباما المنتخب حديثاً مع قيادة جهاز الاستخبارات الأميركية، ثم جاء قرار تثبيت وزير الدفاع روبرت غيتس في موقعه ليؤكد مقولة ان الأمن يمسك بمفاصل المرحلة الانتقالية، وإذا كان لا بد من تقويم سياسي لخيارات الرئيس المنتخب في التعيينات لقلنا مع «التايمز» اللندنية ان «الثلاثي الذي عيّنه أوباما لقيادة مركب السياسة الخارجية لا يبدو انه سيأتي بتغيير يذكر». والثلاثي المقصود هيلاري كلينتون وروبرت غيتس وجيمس جونز، هو أكثر محافظة بين صفوف الديموقراطيين ويشكل فريقاً «يقترب في مواقفه من مواقف إدارة الرئيس جورج بوش»، وإذا كنا سنكتشف ذلك أو عكسه بعد تسلم أوباما الحكم في الثلث الثالث من الشهر المقبل، فإننا حتى ذلك الوقت سنبقى عملياً مع إدارة أميركية أمنية للعالم قوامها البنتاغون… ووكالة الاستخبارات.
ولو اقتربنا أكثر من محيطنا اللصيق، لأمكننا قول الشيء نفسه عن إسرائيل، ففي ظل حكومة تصريف أعمال يرأسها ايهود أولمرت وبانتظار انتخابات نيابية مقررة في شباط (فبراير) المقبل، ينتقل الحكم في هذا البلد المعروف سابقاً في اللغة الرسمية العربية بـ «الكيان الصهيوني الغاصب»، من المستوى السياسي، وهذا تعبير إسرائيلي في الغالب، الى المستوى الأمني – العسكري، ما يعكس عملياً واقعاً تعيشه الدولة الصهيونية، حيث باتت الأحزاب السياسية عاجزة عن اتخاذ القرار، فأوكلته الى الجهاز الأمني ولو موقتاً حتى الانتخابات، ولتكتمل الصورة، يمكننا ذكر سورية التي تعيش حال طوارئ أمنية منذ عقود،وغيرها من الدول الاقليمية وصولاً الى إيران حيث «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».
وفي السياق، ربما نكون شهوداً في الأسابيع والأشهر المقبلة على تحول الهند أكبر ديموقراطيات العالم الى دولة أمنية ملاصقة لدولة أمنية مماثلة في باكستان.
طبعاً ليست الحالات التي ذكرنا في لائحة غير مكتملة، في قوة التأثير نفسه في أوضاع لبنان، لكن علينا الاعتراف بقدرة عدد منها على الأقل في الفعل والافتعال بحياتنا الوطنية والسياسية، ولذلك تصبح الدعوة الى البديهيات مسألة شديدة الحيوية وليست شعاراً من باب تحصيل الحاصل أو النصح الأبوي. إنها تحدٍ فعلي امام اللبنانيين المتخندقين اليوم، عن وعي أو من دون وعي وراء متاريس يصنعها آخرون، فإذا عرفوا مواجهته بمزيد من التمسك برهاناتهم المؤسساتية، قد يوفرون على أنفسهم أثماناً كبرى من تضحيات لا معنى لها، وإذا فشلوا في ذلك سيكون عليهم إعادة الكرة على أنقاض كوارث مجانية، ليتمكنوا في يوم ما من حفظ بلد يستحيل ان يطوّبه أي زعيم أو زويعم على صورته ومقاسه.