خيار الغالبية المسيحية
ليس انقلابا او اختراقا للوعي السياسي المسيحي اللبناني. هو عود على بدء. من حيث توقف التفاهم مع دمشق في العام ،١٩٧٧ من دون ان ينقطع الحوار يوما… الا في عهد الجنرال ميشال عون، الذي كان ولا يزال يمثل الغالبية المسيحية، او بناء على ندائه ورسائله الصوتية الاتية من العاصمة الفرنسية.
هذا هو الوضع الطبيعي، وذلك هو النتاج المنطقي لابسط الحسابات السياسية السورية والمسيحية، التي راكمت مع الزمن الاسلامي الصعب، رصيدا اضافيا ربما يفوق كل ما كان موجودا في الماضي، ويؤسس لحلف مقدس جديد، اقوى بكثير من ذلك الذي استدعته العاصفة الفلسطينية التي هبّت على لبنان وسوريا وكادت تطيح بهما معا ، طوال السبعينيات والثمانينيات.
يعود الجنرال عون الى دمشق حاملا ذلك الرصيد، معتذرا ضمنا عن تلك القطيعة التي تسبب بها، طالبا الصفح عن الاخطاء التي ارتكبها هو نفسه بحق سوريا، مقترحا فتح صفحة جديدة تحمي المسيحيين اللبنانيين من اشقائهم المسلمين، الذين يزدادون تدينا وتعصبا، وتعيد اليهم بعض ما خسروه منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم… وتضمن الى حد ما المحافظة على الطابع العلماني او المدني على الاقل للنظام اللبناني.
تلك هي الارادة الفعلية لغالبية المسيحيين الذين فوضوا سلفا الجنرال الذهاب الى ابعد مدى ممكن، اي الى طهران ولقاء ولي الفقيه الشيعي الامام السيد علي خامنئي، للحصول على تلك الضمانة السياسية التي لم يعد يوفرها المحيط العربي المضطرب باسلامه، ولم يعد يكفلها الحليف الغربي المنهمك بحروبه الاسلامية… الذي بات ينظر الى المسيحية اللبنانية باعتبارها حالة تراثية او ربما سياحية مهددة بالزوال، مثلها مثل الحالات التي كانت موجودة عبر التاريخ في بقية بلدان المشرق العربي، وصارت اثرا بعد عين.
الجنرال صادق في مسعاه. والغالبية التي يمثلها جدية في مطلبها من دمشق. هي لم تجد غضاضة في التحالف مع الاصولية الشيعية، والوصول معها الى الحدود القصوى التي تتعارض مع مقومات الدولة اللبنانية، ومع مواثيقها التأسيسية، فقط لانها تعرف الاصولية السنية وتتابع تجربتها المخيفة في كل مكان… وتصدق الدعاية المؤثرة التي تصور المعتدلين السنة باعتبارهم مخادعين في اعتدالهم، يبتزون المسيحيين وينتزعون منهم السلطة والصلاحيات، ولا تتورع عن الايحاء بان قصر قريطم بات مركزا لتنظيم الميليشيات المسلحة، ومصنعا للسيارات المفخخة والعبوات الناسفة، ولا تتردد في توجيه الاتهام الى مصر والسعودية والاردن وغيرها بانها مصدر الارهاب الاسلامي.
عادت الغالبية المسيحية مع الجنرال عون الى دمشق التي لم تغادرها يوما، والتي بات الحلف معها اشد الحاحا من اي وقت مضى. وهو خيار لا رجعة عنه كما في السابق. لكن مشكلته الوحيدة هو انه لا يمكن للمسيحيين ان يستثمروه… الا اذا ظل التوتر سائدا بين الغالبيتين السنية والشيعية اللتين تنذران بخراب لبنان، وتنويان اعادة بنائه مرة اخرى!.