زيارة النكاية: الحرب الأخيرة
وصف الرئيس حسين الحسيني الممسكين بزمام السلطة اليوم بأنهم مصابون بالشيخوخة المبكرة، من دون ان يميز بين المنضوين في هذا المحور السياسي او ذاك. والشيخوخة هنا هي وصف للعجز الذي تعانيه هذه القوى واستسلامها او انسجامها مع الشلل او التعطيل الذي يضرب في عمق الدولة ومؤسساتها ويكاد يقوض النظام الديمقراطي التوافقي.
النظام الذي فسر زورا سواﺀ في اتفاق الدوحة او في بعض الدوائر السياسية، ان التوافق يعني إلغاﺀ القانون وإلغاﺀ الدستور، واخيرا إلغاﺀ الديمقراطية. كما ان هذه القوى تبدو مستسلمة لارتباطاتها الخارجية الى الحد الذي تعجز عن الاستفادة من الهامش الذي وفره مناخ التهدئة الاقليمية للبناﺀ عليه وتحسين شروط قيام الدولة.
ذلك ان تجديد الحياة السياسية وبناﺀ الدولة هو شأن هامشي، في برنامج القوى الفاعلة على طرفي الازمة..
فالامساك بزمام الطوائف يتطلب اعتماد النظام الاكثري الذي يتوافق مع الاستنفار الطائفي والمذهبي، وهذا النظام يغلق الباب تماما امام بروز خيارات أخرى لا تقوم على قاعدة: "انا زعيم الشيعة" او "انا الناطق باسم السنة"، فيما المسيحيون تتم مقاربة قواهم السياسية كوليمة يجري الصراع على استقطابها. لذا لا تعود الانتخابات النيابية الا وسيلة لصراع جاذبية الشيعة مع جاذبية السنة لدى المسيحيين.
في هذا الخضم، ومع الشرخ القائم في البلد، تأتي زيارة العماد ميشال عون (المشروعة) الى سورية لتزيد من الاستقواﺀ السوري على لبنان، ذلك ان ما قاله عون في هذه الزيارة من دعوة بعض اللبنانيين للاعتذار من سورية قبل مطالبة النظام السوري الاعتذار عما ارتكبه تجاه لبنان في السابق، يزيد من استقواﺀ هذا النظام ليس على خصومه في لبنان فحسب بل على البلد كله، ولا يساهم هذا المنطق في ترميم الانقسام اللبناني الداخلي. كما ان هذه الزيارة تكاد تهمش من منطق اعادة بناﺀ العلاقة بين لبنان وسورية على قواعد جديدة معبرها المؤسسات، وهي تقدم اغراﺀ بمزيد من التدخل في الحياة السياسية اللبنانية.
على ان زيارة الجنرال تبدو في عمقها وجوهرها رسالة موجهة الى الخصم اللبناني قبل ان تكون الى الحليف الاقليمي الجديد، وحيث ان النكايات هي عنوان الابداع السياسي في البلد اليوم، تصبح مطالبة بعض اللبنانيين الاعتذار على ما ارتكبوه بحق النظام السوري، نوعا من النكاية السياسية اكثر مما تعبر عن مطلب يتحلى بالموضوعية. وتصبح قضية المفقودين التي ترعرع عليها خطاب التيار الوطني الحر منذ نشاته، قضية برسم اللبنانيين وعليهم مسؤولية كشفها، فيما لا تبدو سورية طرفا متهما في خطاب الجنرال عشية زيارته الى عاصمة الامويين، خصوصا ان نظامها مسؤول عن مئات كانوا معتقلين من قبل اجهزته الامنية، من دون ان يجرؤ احد من اللبنانيين على السؤال عن مصيرهم فكيف بالمطالبة باطلاق سراحهم؟
يذهب قائد حرب التحرير الى ضيافة الرئيس السوري بروح التسامح وطي كل الملفات بروحية "عفا الله عما مضى"، وإن بقيت القضايا العالقة بين الدولتين على حالها من دون معالجة… يسامح الجنرال وتبرز لطافته حيال كل شأن يرتبط بسورية، فيما لا يستطيع هو نفسه ان يعمم منطق التسامح في اتجاه خصومه اللبنانيين الذين اساؤوا اليه، كما يقول، في محطات عديدة. الا ان هذه الاساﺀة لا يمكن ان تصل في شراستها وأذاها الى ما ارتكب بحقه وحق انصاره في سنوات الوصاية.
عون الزعيم المسيحي يعود ليبشر مجددا بأن حلف الاقليات الطائفية في المنطقة كفيل بحمايتهم، والاهم اعادة الاعتبار لما كان يروج له بعض مسيحيي السلطة في مرحلة الوصاية، من ان التحالف المسيحي مع سورية كفيل بانهاﺀ ما يسمى "الاحباط"، اي عودة النفوذ السوري مجددا، وإن من باب تحجيم السنة في البلد، وهو السلاح الذي يخوض فيه عون حروبه الاخيرة! …