الأسد لعون: لو خيرورنا بين لبنان الجنة وجهنم .. لاخترنا الثانية دون تردد!
الرئاسة السورية تكسر جميع الأعراف البروتوكولية وتتعامل مع الضيف بما يفوق مرتبة رئيس
إنه " يوم ماراثوني طويل". هذا أقل ما يمكن أن توصف به زيارة النائب ميشال عون لدمشق بعد حوالي ربع قرن من القطيعة التي تخللها الدم والنفي؛ دمشق التي خصته باستقبال رسمي وشعبي فوق العادة، وعبر تكسير جميع الأعراف البروتوكولية المتبعة سواء في سوريا أم غيرها، بحيث بدا الضيف "سوبر رئيس دولة"، أو رئيس دولة عظمى، رغم أنه لا يتمتع بأي صفة رسمية ـ حكومية في لبنان. الكسر الأول كان في إرسال الطائرة الرئاسية السورية الخاصة لنقله والوفد المرافق له من مطار بيروت إلى مطار دمشق صباح اليوم. والكسر الثاني كان في البساط الأحمر الذي مد له. والكسر الثالث بدا من خلال تخلي الأسد عن مقعده الخاص في قاعة الاستقبال لضيفه وإجلاسه من على يمينه. والكسر الرابع كان في البقاء مجتمعا به بما يقارب ضعف الوقت المخصص للقاء. أما عن المراسم والتشريفات والحراسة التي أحيط بها موكبه وحركته ومقر إقامته في "فندق الشيراتون"، فحدث ولا حرج!
تفاصيل اليوم الطويل:
منذ الصباح الباكر كان كل شيء قد أصبح مرتبا في بيروت ودمشق لاستقبال الضيف غير التقليدي: الطائرة الرئاسية السورية الخاصة تقله من مطار بيروت، نائب وزير الخارجية فيصل المقداد يستقبله في المطار، سيارة الرئاسة تنقله إلى القصر الرئاسي، السجاد الأحمر يبسط له في بهو القصر، الأسد يخرج من مكتبه لملاقاته ويجلسه على مقعده الخاص، وحتى الورود اصطبغت باللونين الأبيض والبرتقالي في القاعة التي عقد فيها عون مؤتمره الصحافي حيث رفع أيضا العلم اللبناني وعلم "التيار الحر".
ماذا عن لقاء الأسد وعون؟
وأبعد من الحفاوة الشكلية، عقد لقاء موسع في القصر الرئاسي بين الأسد والنائب ميشال عون، شارك فيه على مدى أقل من نصف ساعة جميع أعضاء الوفدين اللبناني والسوري، وتلته خلوة بين الأسد وعون استمرت قرابة ساعتين . ونقل عن مصادر تسنى لها الاطلاع على مناخ اللقاء أن الرئيس السوري أبلغ ضيفه بأن التقدير السوري له كبير على الصعيد الوطني لا المسيحي فحسب، مشيرا إلى ان عون كان في خلافه مع سوريا خصما شريفا، "والمشكلة ليست مع الشرفاء بل مع الخصم غير الشريف".
وأضاف الأسد مخاطبا عون: "نحن في سوريا نحب صراحتك وصلابتك يا سيادة العماد. ونريد أن نكون صريحين مع بعضنا ونسمّي الأمور بأسمائها وبوضوح لأن أهميتك يا جنرال أن لك وجها واحدا تحكي وتفعل ما تقوله".
وقال الأسد لعون: "نحن تخاصمنا لفترة طويلة مع تركيا وكنا مقتنعين أنها تحتل أرضنا وتنتهك حقوقنا، ولكن عندما خضنا في حوار صادق معها أمكن إنتاج حوار شفاف أفضى الى صداقة وعلاقة جديدة بين البلدين… وهذا ما نطمح اليه من خلال الحوار معكم ومع كل غيور على مصلحة لبنان".
وتابع الأسد قائلا لعون انه في أحد الاجتماعات التي عقدها مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة، أجابهما ردا على استفساراتهما بأنه "لو خيّرونا بين لبنان قطعة من الجنة أو أن يكون البديل هو النار… قرارنا الحاسم لا عودة الى لبنان".
وسألت مصادر سورية رفيعة المستوى عن تفسير الحفاوة في البرتوكول الذي أُعد للعماد عون، فقالت: "إن دمشق أعدت استقبالا يليق بزعيم وطني لبناني عكست مواقفه أقواله. وإن كل ما قاله عون في المؤتمر الصحافي يعكس ما نفكر به. وأضافت "إن ترحيبنا به (عون) يعني أننا نشترك في ذات المشاعر"، مجددة القول بأن "الزيارة تاريخية".
وفيما كان الأسد يختلي بعون، عقد الوفد المرافق له جلسة مغلقة مع وزير الخارجية وليد المعلم والوزيرة بثينة شعبان.
في سياق متصل ، قال مصدر مرافق للجنرال عون في اتصال مع "الحقيقة" من دمشق "إن هاجسنا الأول في كل ما نقوم به من زيارات وتطبيع للعلاقات مع القوى والحكومات العلمانية وشبه العلمانية هو محاصرة المد الوهابي الذي وضع على أجندته تطهير الشرق العربي وغير العربي من المسيحيين".
وأضاف "أن الخطر الوهابي الذي يحدق بالمسيحيين يوازي تماما من حيث خطورته الخطر الإسرائيلي والصهيوني على الشعب الفلسطيني. فنحن بالنسبة للوهابيين كما الفلسطينيين بالنسبة للمشروع الصهيوني وإسرائيل".
وعن موضوع المعتقلين والمفقودين اللبنانيين في سوريا، أكد المصدر أن الموضوع "نوقش بين الأسد وعون على بساط أحمدي كما يقال ، وكان الجنرال (عون) واضحا وصريحا جدا. وأعتقد زيارة الجنرال ستساهم في تسريع إقفال هذا الملف الإنساني لمصلحة الجميع".