ماذا بقي لـ"الحوار" ورئاسته؟
أغلب الظن أن قلة نادرة من اللبنانيين لا تزال تتمتع بذاكرة وقّادة تحفزها بين الحين والآخر الى "استفقاد" ذلك المسمى اصطلاحاً "الحوار الوطني"، والذي تبدو جولاته المتقطعة بين فترة وفترة أشبه بجرعات انعاش رمزية لهيكلية شكلية هشة فارغة من أي مضمون.
هذا الحوار، منذ انطلاقته، استولدته تسوية الدوحة كبند من بنود الضرورات على أساس انه المؤسسة الواقعية التي يفترض ان تظلل عملية اعادة ترميم الجمهورية العائدة حديثاً الى الحياة بعد طول انتهاك. فاذا بحوارات رديفة من داخل وخارج تفرّخ في موازاته وتتمدد طولا وعرضا وتمعن في تهميشه وتجفيفه ولا تبقي منه سوى اطلالات تفصل بين الواحدة والاخرى مواعيد متباعدة هي أقرب ما تكون الى جلسات مجاملة للتصديق على بند غير معلن وحيد يختصر جوهر هذا "الحوار" وحقيقته وسره ويتمثل بالتكيف والتعايش مع مرحلة ادارة الازمة دونما أي تغيير.
ومع أن هذه الوقائع معروفة ولا مبرر مباشراً وآنياً يستدعي اثارة موضوع "حوار" هو على هذه الحال من التخدير السريري، لئلا نقول الموت، فإن جملة تطورات حصلت أخيرا تبدو في وجوهها مجتمعة كأنها نذير لتصفية الشكل ايضا في هذا الحوار بعد ضرب مضمونه.
فهذا الحوار تقرر مبدئياً، وعبر نص رسمي مثبت بتواقيع 14 زعيماً ومشاركاً في حوار الدوحة ومعها تواقيع العرابين القطريين والعرب مجتمعين عبر جامعة الدول العربية، وفق معادلة الرعاية العربية المباشرة والمستمرة لكل مندرجات التسوية والحوار في آن واحد. ومعلوم ان ملف العلاقات اللبنانية – السورية هو الجزء الاصعب والاشد تعقيداً في صلب هذا الحوار باعتبار انه يشكل امتدادا عضويا للحوار الاول الذي أجري عام 2006 وتوصل الى قرارات بالاجماع. اذاً، بمنطق تسوية الدوحة نفسها، فإن اعادة تطبيع العلاقات مع سوريا يفترض ان تجري برعاية مباشرة ودائمة من الجامعة العربية. فأين أصبحت هذه الرعاية؟ ولماذا تُرك لبنان وحده في هذه العملية؟ ولماذا تتفرج الجامعة العربية او تدير ظهرها فيما يعود ملف التطبيع بين لبنان وسوريا لينذر باثارة الخلافات الداخلية في لبنان؟ وهل نحن على مشارف تكرار تجربة ما بعد الطائف، وهذه المرة من دون عسكر سوري في لبنان مما يريح الجامعة العربية من عناء الاحراج والتدخل والرعاية، وإن تحت وطأة تفسخات لبنانية جديدة؟
ثم أن رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط يطرح مجموعة اشكاليات وتساؤلات بالغة الخطورة حيال السياق الرسمي في التعامل مع ملف تطبيع العلاقات مع سوريا من مثل التسليم للمنطق السوري في مقاربة قضية مزارع شبعا وعدم مفاتحة دمشق بملف المعسكرات الفلسطينية خارج المخيمات، ناهيك بالالتباس المقيم والمستمر مع كل زيارة مسؤول سياسي او عسكري او أمني لدمشق.
فأين الحد الادنى في توافق الدوحة ومشتقاته عبر حوار بعبدا في مقاربة هذا الملف؟
وهل جرى في ليل انتهاك هذا التفاهم وصيغت قواعد مختلفة ذهبت في اتجاهات آحادية؟
وما سر إمعان دمشق في توظيف هذه الناحية عبر حصر خطوة الدعوات لزيارتها بفريق واحد؟
وكيف يقبل هذا الفريق ومعه فريق 8 آذار مجتمعاً بهذه الآحادية ما دام ملتزما تسوية الدوحة؟ أم ان ثمة قطباً مخفية بدأت تلوح معالمها لصنع واقع استقوائي يجري عبره الضغط على رئاسة الجمهورية من جهة، والتهويل على فريق 14 آذار من جهة أخرى لتصبح تسوية الدوحة أثراً بعد عين؟
وأخيراً، وليس آخراً، ماذا يبقى من الالتزام السوري المعلن لدعم رئيس الجمهورية والعودة الى كنف التعامل مع لبنان كدولة يأخذ الرئيس ميشال سليمان على عاتقه اعادة ترميم مكوناتها مع مسيرة حوار بعبدا حين تجري دمشق "محادثات التحالف" الطارئ مع العماد ميشال عون في معظم الملفات المطروحة على حوار بعبدا، في معزل عن الرسائل الاخرى التي أطلقتها في يوم استقباله؟ ثم أين التزام العماد عون نفسه هذا "الحوار الوطني" حين يتجاوز كل المشاركين فيه مع رئاسة الجمهورية ويختصر بشخصه ليس صفته التمثيلية فحسب، بل ايضا منطلقات الحوار وبنوده وأهدافه وليقيم عبر استدارته الى دمشق أجندته الخاصة حتى في مفهوم "الاعتذار"، فيفتح "صفحة جديدة" مع النظام السوري لكنه يأبى أن يمدّ عطايا هذا الانفتاح الى الداخل ولا يبقى على اللبنانيين سوى الغرق في جلد الذات وتلاوة فعل الندامة لكونهم ضحايا!