"تحالف الأقليات" يكون على صنفين: أحدهما حسن والآخر ضارّ
تثبيت مركزية المناصفة سلاح المسيحيين بوجه "المحنة"
أين المشكلة في "تحالف الأقلّيات" في ما بينها؟ ليست المشكة في "تحالف الأقلّيات المسيحيّة" في ما بينها. فالأسئلة الحضاريّة والوجوديّة مشتركة بالضرورة، وفي هذه المرحلة بالذات، بين أبناء جميع الكنائس في الشرق، محاولة التهجير في بلد، ومحاولة فرزهم المستجدّة لأجل الإحتماء القسريّ بهم في بلد آخر، ومحاولة شرذمتهم واضطهاد آباء كنيستهم في بلد ثالث، ومنعهم من تشييد كنيسة في بلد رابع.
المشكلة ليست في "تحالف الأقليّات المسيحيّة" في ما بينها، وإنما في "تحالف الأقليّات المسيحيّة" مع "الأقليّات المذهبية الإسلامية" بوجه الأكثريّة المذهبية الإسلاميّة. فإن كان انفتاح كل من الكلدو آشوري في العراق والأرثوذكسي في سوريا والمارونيّ في لبنان والقبطيّ في مصر على قضاياهم المشتركة ينتج وعياً مسيحياً حضارياً كلّي الراهنيّة، فإن "خلط الحابل بالنابل" على أساس التحالف بين أقليات مسيحية وبين أقليات إسلامية إنما يؤدي وظيفة معيقة لاستقرار الحدّ الأدنى من الوحدة الإسلامية الإسلامية في ظرف انتشرت فيه ظواهر الفتة المذهبية، وهي نفسها وظيفة مدمّرة للوعي المسيحيّ وللوحدة المسيحية المسيحية.
حلف التوبة والحفاوة
يعاني المسيحيون في العالم العربي من تبعات تأخرهم في إنتاج المستوى الأوّل من التحالف، أي التحالف في ما بينهم على صعيد الوعي المشترك الذي من دونه تفتقد الشراكة مع المسلمين على أساس المواطنية إلى سند قوي يكرّسها ويضمنها.
لكنّ المسيحييّن في لبنان تحديداً يعانون من تبعات تأخرهم من التفلّت من تبعات المستوى الثاني من التحالف، أي التحالف بين الأقليات من أي مشرب أتت في وجه البيئات الأكثرية على مستوى المنطقة.
وربطاً بين المعانتين المسيحية العربية العامّة والمسيحية اللبنانية الخاصّة يمكن القول إن المسيحيين اللبنانيين كان عليهم منذ زمن بعيد مخاطبة الأقليات المسيحية الأخرى في المنطقة بدل التعالي عليها بأنّها "ذمّية" و"مغلوبة على أمرها" وتدفع من شخصيتها ثمناً لبقائها. فاستمرار الوجود المسيحي في البلدان العربية المجاورة ضمانة كبرى لمسيحيي لبنان، كما أن استمرار دولة الثنائية المسيحية الإسلامية في لبنان هو ضمانة كبرى لمسيحيي الشرق.
أما الخطر أمس واليوم وغداً فهو تصدير فكرة "تحالف الأقليات المسيحية مع الأقليات الإسلامية" في وجه أكثرية المسلمين. فالسؤال الاستشراقي عن أكثر المذاهب الإسلامية موافقة للمسيحية أو للغرب أو للحداثة لا يمكن طرحه بشكل آلي ولتوظيف سياسي ضيّق عندما يتعلّق الأمر بمسيحيي الشرق.
"تحالف الأقليات المسيحية على صعيد الوعي" يمكنه أن يرفد مشروع إحياء دولة الثنائية المسيحية الإسلامية في لبنان القائمة على أساس مبدأ المناصفة. أما "تحالف الأقليات مسيحية وإسلامية بوجه الأكثرية الإسلامية" فإنها تمثل معول هدم موجّه لاقتلاع الفكرة اللبنانية من جذورها. وهذا تحديداً ما يجري من أوّل "تفاهم مار مخايل" وصولاً إلى قمّة "التوبة في مقابل الحفاوة" في سوريا. إذ تقوم الفكرة اللبنانية على ثنائية "مسلمين ومسيحيين"، تماماً كما في قسم جبران التويني. هي ميثاق بين طائفة إسلامية متعدّدة المذاهب وبين طائفة مسيحيّة متعدّدة الكنائس. وفقاً لهذه المعادلة فإن الوحدة الوطنية السوية لا يمكن أن تكون إلا نتاج وحدتين إسلامية ومسيحية. لا أهلية لأي وحدة وطنية تقوم على أساس تكتيل قسم من المسيحيين مع قسم من المسلمين في مواجهة مسيحيين ومسلمين في المقلب الآخر، وبالتحديد إن كانت ذريعة التكتيل مواجهة المنتسبين إلى الأكثرية المذهبية الإسلامية المحدّدة كذلك على صعيد المنطقة ككل وليس على صعيد لبنان.
توتّران
و"تحالف الأقليات ضد الأكثرية" على هذا النحو إنما ينزع عن المسيحيين اللبنانيين ضمانتهم الكيانية (الميثاق الإسلامي المسيحي) كما يحيدهم أكثر فأكثر عن رسالتهم تجاه مسيحيي المنطقة ككل، بل إنه يدلّس هذه الرسالة ويمسخها إلى نقيضها: أي إشاعة أجواء "تحالف الأقليات ضد الأكثرية المذهبية" في كل المنطقة، واختزال هذه الأكثرية إلى صورة نمطية بعينها هي السلفية الجهادية، وذلك على الرغم من أن "تحالف الأقليات" هذا بوجه الأكثرية المذهبية إنما تقوده الدولة المهدوية الوحيدة في العالم.
رغم كل ما سبق، لا يمكن التعويل على المشهديات الطريفة المضحكة المبكية لهذا "التحالف" للمراهنة على انهيار فجائيّ في شعبية من يحمل لواءه اليوم بين قسم من المسيحيين. فهذا التحالف ما زال يستند إلى "توتّر حيال اتفاق الطائف" موجود وسيبقى موجوداً لدى قسم كبير من المسيحيين، وليس الحل بإنكار هذا التوتّر أو باستصغار شأنه، وإنما بجعله عاملاً إيجابياً في إعادة تفسير الطائف لنفسه.
والمشكلة اليوم ليست في استمرار "التوتّر حيال اتفاق الطائف" عند قسم كبير من المسيحيين، وإنما في استثمار ذلك لدفع المسيحيين إلى المجهول. والأمر يقارن بمعطى آخر ما زال يتواجد عند المسلمين سنة وشيعة في لبنان، رغم كل التباينات بين الفريقين في السنوات الأخيرة، وهو "التوتّر حيال المناصفة التي كرّسها اتفاق الطائف".
ما يحدث حالياً هو أن "التوتّر حيال اتفاق الطائف" الموجود بالضرورة عند أكثرية المسيحيين يتحوّل عملياً إلى عامل مضرّ بالمناصفة المسيحية الإسلامية شكلاً ومضموناً، أي عامل متفاعل مع "التوتّر حيال المناصفة" الموجود على المقلب الإسلامي من المعادلة اللبنانية.
لأجل ذلك فإن باب مداواة التوتّرين يكون بتثبيت قراءة مشتركة للطائف على أساس مركزية مفهوم المناصفة فيه، وكونها ليست أمراً عارضاً أو موقتاً ينتظر التخفف منه ابتغاء لـ"إلغاء الطائفية السياسية" أو ما شاكل من شعارات. والسؤال يتخذ طابعه العملي هنا بالتحديد: كيف يمكن لـ 14 آذار اليوم تجذير وعيها للـ"مناصفة" في برناجها الانتخابي، وفي لوائحها الانتخابية، لأن الانتخابات تخاض في بعدها الوطني كما في بعدها الإقليمي بين خط "المناصفة الإسلامية المسيحية" وبين خط يلعب بـ"ورقة تحالف الأقليات ضد الأكثريات" معرّضاً مسيحيي لبنان والشرق لأكبر محنة في تاريخهم، محنة ثلاثية: الإنسلاخ عن ذاتهم، الإنسلاخ عن العالم المسيحي الغربي، الإنسلاخ عن المحيط الإسلامي.