سليمان وعون تناقضات وخلافات عميقة
صراع الجنرالين: رجل الاستقلال ورجل المحور الخطر
"العماد ميشال عون ليس بديلا محتملا من الرئيس العماد ميشال سليمان، كما يحاول الايحاء حلفاء دمشق، بل ان السوريين يستخدمونه لمحاولة الضغط والتأثير على رئيس الجمهورية الرافض ان يكون تابعا لهم. وعون ليس مكملا لسليمان بل هو نقيضه تماما في شخصيته وطباعه وتوجهاته واهدافه وخياراته وتحالفاته. وهو ليس حليفا لرئيس الجمهورية بل خصم سياسي وانتخابي له ولمؤيديه بمقدار ما هو خصم للقوى الاستقلالية. فسليمان خيار لبناني وعربي ودولي يحمل مشروعا استقلاليا حقيقيا يقوم على حماية الوطن وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية وصيانة السلم الاهلي والوحدة الوطنية ويقوم ايضا على انهاء دور لبنان كساحة مواجهة مفتوحة وكورقة مساومة يستخدمها السوريون والايرانيون لمحاولة تحقيق اهدافهم. اما عون زعيم "التيار الوطني الحر" فلم يكن يوما خيارا جديا لبنانيا او عربيا او دوليا او حتى سوريا او ايرانيا للرئاسة، وهو اثبت انه ليس قادرا على ان يصنع لنفسه الدور السياسي البارز الذي يطمح اليه فاكتفى بتقبل الدور الذي صنعه له حلفاؤه المرتبطون بالمحور السوري – الايراني المتشدد والخطر. وهو دور لم يخدمه فعلا بل اضعفه شعبيا وسياسيا واحدث انقساما عميقا في صفوف المسيحيين لانه جعله في خدمة مشروع داخلي واقليمي يتعارض مع استقلال لبنان وسيادته ومع مصالح اللبنانيين الحيوية".
هذا ما اكدته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وعربية وثيقة الاطلاع في باريس ومعنية مباشرة بالملف اللبناني. وقد اجرت هذه المصادر مقارنة بين الجنرالين سليمان وعون اظهرت الفوارق الجوهرية والاساسية بينهما وتضمنت العناصر البارزة الآتية:
اولا، ميشال سليمان رجل الصلح والمصالحة، يحمل مشروع حماية الوطن المستقل السيد، واقامة الدولة القوية بمؤسساتها الشرعية العاملة، ودستورها المطبق ونظامها الديموقراطي التعددي القائم على التداول السلمي للسلطة، الدولة القوية ايضا بوحدة ابنائها وتعايشهم السلمي وتوافقهم على معالجة مشاكلهم عبر الحوار وليس بواسطة السلاح والعنف. اما عون فسياسي مشاغب وهو في ذاته مشروع مواجهة وصدام مستمرين، تتركز احدى مهماته على تأمين الحماية والتغطية لدولة "حزب الله" المسلحة على حساب الدولة اللبنانية. وعون يدافع عن استخدام "حزب الله" السلاح والعنف في الداخل، ويسعى الى انشاء نظام سياسي بديل من النظام الحالي المستند الى اتفاق الطائف القائم على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين من دون ان يملك تصورا واضحا وواقعيا لهذا النظام الجديد، ومن دون ان يتفق مع حلفائه على صيغة محددة جديدة لتقاسم السلطة. اذ ان حزب الله يريد اطاحة الطائف من اجل اعتماد المثالثة بين الطوائف بدلا من المناصفة في تقاسم السلطة، مما يضعف كثيرا دور المسيحيين ونفوذهم في هذا البلد. وعون جزء من استراتيجية تغييرية – انقلابية يعتمدها "حزب الله" ويدعمها المحور السوري – الايراني وتعرض اللبنانيين لمخاطر كبيرة وتهدف، بين ما تهدف اليه، الى تفجير الخلافات بين قسم من المسيحيين والسنة لمصلحة الشيعة مما يهدد السلم الاهلي والوحدة الوطنية من دون ان يؤمن للمسيحيين مصالحهم الحقيقية.
اهداف سليمان ومهمة عون
ثانيا، سليمان هو اساسا خيار لبناني – عربي – دولي وليس خياراً سورياً. ودعم انتخابه الاستقلاليون في الوقت الذي عارضه عون بشدة. وسليمان جزء من المشروع الاستقلالي السيادي في كل مواقفه وتوجهاته وممارساته، وهو يرفض ان يبقى لبنان اسير العلاقات المميزة مع سوريا وايران وحدهما، بل يعمل على تعزيز العلاقات مع سائر الدول العربية ومع الدول الاجنبية البارزة والمؤثرة من اجل تأمين الحماية والدعم المتعدد الجانب للبنانيين بما يحقق مصالحهم الحيوية. اما عون فهو، حاليا، خيار سوري – ايراني في الدرجة الاولى، تقتصر مهمته الاساسية على تأمين تغطية مسيحية لخطط محور دمشق – طهران ولاعمال حلفائه وتصرفاتهم، ايا تكن. كما ان عون يهاجم الدول التي ساعدت اللبنانيين على التحرر من الهيمنة السورية والتي تؤمن دعما مستمرا لهم وابرز هذه الدول مصر والسعودية واميركا وفرنسا، في الوقت الذي يشيد بمواقف سوريا وايران ويحاول اقناع اللبنانيين بان هاتين الدولتين هما الحريصتان فعلا على مصالح لبنان وابنائه، خلافا لما تؤكده الوقائع والحقائق ماضيا وحاضرا وما يعرفه اللبنانيون.
ثالثا، سليمان متمسك بالشرعية الدولية وحريص على تطبيق قراراتها الصادرة عن مجلس الامن لانها تؤمن مصلحة لبنان، كما انه متمسك بالمحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية اخرى، حرصا على تحقيق العدالة وعلى حماية اللبنانيين من الاغتيالات السياسية والاعمال الارهابية. اما عون فهو يسخر من قرارات مجلس الامن ويتهجم على المجتمع الدولي والشرعية الدولية وعلى المحكمة الدولية، بل انه يحرض عليها ويبدي نوعا من عدم الاكتراث لضحايا الاغتيالات السياسية ويدافع عن الضباط اللبنانيين الاربعة المعتقلين في انتظار مثولهم امام المحكمة الدولية من دون ان يعرف ما لدى التحقيق الدولي من معلومات وادلة عنهم، متبنيا في ذلك كله مواقف سوريا وايران وليس مواقف الغالبية الكبرى من اللبنانيين.
رابعا، سليمان يريد تجاوز مرحلة الهيمنة السورية على لبنان واقامة علاقات قوية وصحية مع سوريا على اساس المصارحة والمساواة والندية والاحترام المتبادل الفعلي لاستقلال كل من البلدين وسيادته، بما يؤمن المصالح المشروعة لكل منهما. ولذلك يسعى سليمان، في تعاطيه مع الرئيس بشار الاسد، الى جعل النظام السوري يتقبل وجود لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة ويعتاد على ذلك ويتعامل مع هذه الدولة وليس مع فريق من اللبنانيين ضد فريق آخر. اما عون فيقول انه استقلالي التوجهات لكنه في الواقع يشارك السوريين في التحريض على الاستقلاليين الذين يمثلهم فريق 14 آذار ومن يرتبط به. كما انه يحرص على تبرير ما يقوم به او يفعله نظام الاسد ولو انتقصت الاجراءات والمطالب السورية من استقلال لبنان وسيادته، او ساهمت في زعزعة امن هذا البلد واستقراره. فعون يصدق، مثلا، "رواية" النظام السوري عن تنظيم "فتح الاسلام" ويرفض تقبل الوقائع والحقائق الملموسة المستندة الى الادلة والمعلومات الدقيقة التي تملكها الأجهزة اللبنانية المختصة، والمستندة ايضا الى اعترافات خطية لعدد من المعتقلين من اعضاء هذا التنظيم اثر معارك مخيم نهر البارد العام الماضي، والتي تؤكد كلها ان اجهزة امنية سورية هي التي دعمت تنظيم "فتح الاسلام" وشجعته على تنفيذ مخطط ارهابي كبير كاد ان يهدد لبنان باسره لو لم يحبطه الجيش ويقضي عليه بالتعاون مع القوى الامنية وبدعم كامل من فريق 14 آذار ومن حكومة فؤاد السنيورة وبتحفظ واضح او باعتراض صريح من المعارضة المتحالفة مع دمشق.
خامسا، سليمان يريد، من خلال تبني استراتيجية دفاعية جديدة، ضبط سلاح "حزب الله" واخضاع هذا السلاح لسلطة الدولة بالتفاهم بين كل الافرقاء في مؤتمر الحوار الوطني، وهذا ما يريده فعلا اللبنانيون وفي غالبيتهم العظمى. في المقابل فان عون لم يكتف بتأمين تغطية مسيحية لسلاح حزب الله ولدولة الحزب، بل انه يريد تعميم تجربة الحزب على البلد باسره وتحويل لبنان مجتمعا مقاوما وتوزيع السلاح في مختلف المناطق من دون ان يشرح كيف يمكن تحقيق ذلك وما المخاطر الناتجة عن هذا العمل، وذلك كله تحت ذريعة مواجهة اسرائيل والعمل على استعادة منطقة شبعا الصغيرة بالقوة المسلحة بدلا من الوسائل الديبلوماسية من خلال اقناع نظام الاسد اولا بتكريس لبنانية شبعا خطيا ورسميا مما يسهل استعادتها بالوسائل الديبلوماسية. وبمقدار ما يتبنى سليمان في هذا المجال الخيار اللبناني فان عون يتبنى وجهة النظر السورية – الايرانية.
عون والحرب الاهلية المستمرة
سادسا، سليمان رجل الصلح والمصالحة، يستخدم موقعه كرئيس توافقي للحفاظ على السلم الاهلي والوحدة الوطنية والتعايش الهادئ بين الطوائف بعيدا من منطق العنف والقوة المسلحة، كما انه يرفض استخدام علاقاته العربية والدولية من اجل الاستقواء في الداخل ودعم فريق لبناني ضد آخر.
اما عون فيتصرف كأنه يريد ابقاء اللبنانيين في حال من "الحرب الاهلية المستمرة". اذ انه يتعاطى مع خصومه السياسيين ومع اقطاب في الحكم بلغة التهديد والوعيد، كما انه يحتمي بسلاح حزب الله ويلوح بين الحين والآخر بامكان استخدام هذا السلاح مجددا في الداخل كما حدث في ايار الماضي. وعون يسمح للسوريين والايرانيين وحلفائهم "باستخدامه" في معاركهم ضد القوى الاستقلالية، وضد مصالح لبنان الحيوية الحقيقية، مما يضعف الوطن ويهدد اوضاعه الداخلية.
سابعا، سليمان يعمل، بكثير من الحذر واليقظة، على انهاء دور لبنان كساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل ودول اخرى، او كورقة مساومة تستخدمها سوريا وايران لمحاولة تحقيق مكاسب في مفاوضاتهما مع اميركا والدول الكبرى على حساب اللبنانيين ومصالحهم. ولذلك يحرص سليمان، بالتضامن مع القوى الاستقلالية، على تطبيق قرارات مجلس الامن وخصوصا القرار 1701، وعلى تعزيز علاقات لبنان العربية والدولية بما يؤدي الى جعل هذا البلد، فعلا، جزءا من المجموعة العربية الساعية الى حل النزاعات مع اسرائيل بالوسائل السلمية والديبلوماسية بدلا من ان يظل دولة المواجهة الوحيدة في المنطقة كما يريد السوريون والايرانيون. اما عون فيفضل نقيض ذلك اذ انه يدعم بقوة خيارات "حزب الله" والمحور السوري – الايراني، ويؤيد، في مواقفه واقتراحاته، ابقاء لبنان ساحة مواجهة مفتوحة وإن ادى ذلك الى التضحية بمصالح اللبنانيين ودخول البلد في مواجهة مع مجلس الامن والمجتمع الدولي والى اضعافه بالتالي مما يسهل خضوعه مجددا للهيمنة السورية.
ثامنا، سليمان يفعل كل شيء، من خلال جولاته العربية والدولية ومواقفه وتصرفاته، من اجل تعزيز دور رئيس الجمهورية وصلاحياته، واعادة الهيبة التي ضاعت الى هذا الموقع نتيجة الممارسات السورية خلال سنوات الهيمنة على لبنان. وهذا ما يريده فعلا المسيحيون خصوصا، والكثير من اللبنانيين. اما عون فانه يردد انه يريد تعزيز موقع رئاسة الجمهورية وتقوية دور المسيحيين ونفوذهم في الدولة والبلد، لكنه في الواقع يعمل لاضعاف رئاسة الجمهورية من خلال التصرف كأنه هو وحده زعيم المسيحيين، ووحده الذي يستحق رئاسة الجمهورية، ومن خلال العمل على اضعاف العلاقات والروابط بين المسيحيين والمسلمين المعتدلين المتمسكين باستقلال لبنان وسيادته، والرافضين استخدام السلاح والعنف لتحقيق مطالبهم. ذلك ان تحالف عون مع "حزب الله" والقوى الاخرى المرتبطة بالمحور السوري – الايراني يضعف فعلا نفوذ المسيحيين ودورهم، خلافا لما يحاول الجنرال الترويج له. اذ ان حلفاء دمشق يريدون كسب ود المسيحيين وثقتهم ليس من اجل تعزيز دورهم وتقوية صلاحياتهم في الدولة، بل من اجل اضعاف الاستقلاليين وتسهيل عملية اخضاع لبنان مجددا للهيمنة السورية، الامر الذي يتعارض مع مصالح اللبنانيين الحيوية.
ويتبنى عون، في هذا المجال، نظرية غريبة مفادها ان حماة اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا هم السوريون والايرانيون وحلفاؤهم وليست القوى الاستقلالية والدول التي حررت لبنان من قبضة نظام الاسد الحديدية والتي تؤمن لابناء هذا البلد الحماية الواسعة ومختلف انواع الدعم، في الوقت الذي يرسل النظامان السوري والايراني السلاح والمال الى الفريق المتحالف معهما من اللبنانيين من اجل اضعاف الدولة ومؤسساتها وكذلك القوى الاستقلالية المدافعة فعلا عن لبنان السيد المستقل.
ويذهب عون في ولائه لنظام الاسد الى حد انه يطلب من اللبنانيين الاعتذار للسوريين، على رغم من كل ما فعله ويفعله بهم النظام السوري.
ووفقا لما قاله لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع: "ان المشكلة الحقيقية ليست في ان يزور ميشال عون طهران ودمشق بل في ان يرتبط بشكل وثيق بالمشروع السوري – الايراني الخطر لبنانيا واقليميا، وان يتبنى كليا مواقف السوريين المتعارضة مع الوقائع والحقائق اللبنانية، وان يدافع عنها ويلوم من ينتقدها، وفي ان يعمل على محاولة دفع قسم من المسيحيين الى الانضمام الى المشروع السوري – الايراني والدفاع عنه، مستندا في ذلك الى حسابات ورهانات خاطئة وخطرة اعتاد عليها. وستظهر نتائج الانتخابات النيابية في ربيع 2009 ان المسيحيين ليسوا دمى في ايدي الجنرال عون".