#adsense

تكريم خاص لعون … وسيئ للبنان

حجم الخط

تكريم خاص لعون … وسيئ للبنان

لسنا هنا في صدد تقييم نتائج زيارة النائب ميشال عون لسورية ومدى صحة مقارنته بين النظام الذي فرش له السجاد الأحمر في دمشق والنظام الالماني الذي زاره شارل ديغول بعد سقوط النازية (التي كانت الحرب قائمة معها) وقيام حكم ديموقراطي جديد في المانيا على انقاضها.
هذان التقييم والمقارنة متروكان لأنصار عون وللقاعدة المسيحية التي ستقول رأيها في خياراته بعد شهور قليلة، إذا اتاحت لها الظروف ذلك. وعندما نقول القاعدة المسيحية فلا نقصد إضفاء طابع طائفي على خيارات عون او على التأييد الذي يتمتع به، بل نكرر فقط الشعار الذي يرفعه هو نفسه هذه الايام، كونه يعتبر انه الناطق باسم المسيحيين وحاميهم، ليس في لبنان فقط، بل لمسيحيي الشرق جميعاً.

غير ان ما يهمنا هو الأثر السلبي الذي تتركه طبيعة الاستقبال الخاص والمميز الذي حظي به النائب اللبناني في سورية على الصورة المنشودة لعلاقات طبيعية وسوية بين لبنان وسورية، والتي قيل ان زيارة عون ترمي الى اعادتها الى السكة القويمة. هذه العلاقات التي تقوم عادة، كما في سائر الدول، بين ممثلي الدولة ورموزها. اما عندما تنوي شخصية سياسية من أي مستوى القيام بزيارة لبلد ما، فإن ما تحظى به عادة من مراسم استقبال لا يفترض أن يفوق التكريم الذي يحظى به ممثلو الدولة انفسهم. وفي الذهن مثال قريب هو الجولة التي قام بها المرشح باراك اوباما على عدد من الدول الأوروبية عشية الانتخابات الاميركية. هل كان يمكن ان يحظى اوباما باستقبال في داوننغ ستريت او قصر الاليزيه مثلاً، يفوق التكريم الذي يخصص للرئيس جورج بوش الذي لا يزال حاكماً في البيت الابيض؟ اما اذا تجاوز الأمر هذه الاصول فيصبح من الطبيعي اعتباره تدخلاً في الشؤون الداخلية للدولة الاخرى، خصوصاً اذا كانت الشخصية التي تحظى بالتكريم الاستثنائي وجهاً بارزاً من وجوه المعارضة للنظام القائم. للدلالة على ما نقول، ليس هناك افضل من تصور قيام الرئيس اللبناني بتنظيم استقبال حافل في بيروت لأحد وجوه المعارضة السورية المنتشرين في الخارج، كي لا نقول إتاحة المجال لاحدى هذه الشخصيات لـ «اللجوء» في لبنان. كيف ستكون ردة الفعل السورية في هذه الحال؟ وبماذا يمكن ان تصف دمشق مثل هذا العمل اللبناني في ما لو حصل، لا سمح الله؟!

للعلاقات السوية بين الدول اصول متعارف عليها، وليست هناك حاجة لاكتشافها من جديد، في الوقت الذي يقول اللبنانيون والسوريون انهم يمهدون لفتح سفارات في ما بينهم وإقفال صفحة الاخطاء القديمة. وليس من بين هذه الاصول أن يفوق التكريم الذي يخصص لنائب لبناني وزعيم حزب سياسي، مهما كبر حجمه او صَغُر، التكريم الذي تم تخصيصه لرئيس الجمهورية نفسه، الذي زار البلد ذاته قبل مدة قصيرة. اما عندما يحصل هذا التجاوز فإن السؤال الذي يفترض ان يستدعي نفسه، وربما كان يجب أن يكون عون في مقدم من يطرحون هذا السؤال، كونه الأكثر «حرصاً على السيادة» من الجميع: هل هذا هو السلوك الطبيعي الذي يدل على نية طيبة لإقامة علاقات مبنية على الاحترام المتبادل بين سورية ولبنان؟

قد تكون لسورية اهدافها الخاصة من وراء طبيعة الاستقبال الذي خصصته لميشال عون. فهي تستعيد الى حضنها شخصاً شن حرباً عليها في الماضي وهُزم، وها هو الآن يسجل على نفسه الهزيمة الثانية باعترافه بأن مشروعه السابق فشل وبأن العلاقة الطبيعية بين سورية ولبنان ليست علاقة «خصومة» (مع انه كان يستخدم تعابير العداء وتكسير الرؤوس في حروبه الماضية) بل يجب أن تكون علاقة قائمة على الصداقة واحترام خصوصيات كل من البلدين. غير ان عون المهزوم مرتين، يضيف هزيمة ثالثة اكبر وقعاً على علاقات البلدين، عندما يرضى ان يلعب الدور الذي أعطي له، ويقبل ان يُعامَل في دمشق وكأنه الرئيس الفعلي للبنان، مع ان هناك رئيساً مقيماً في قصر بعبدا.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل