#adsense

هل تثبت الانتخابات الآتية ان الديموقراطية اللبنانية قابلة للحياة؟

حجم الخط

هل تثبت الانتخابات الآتية ان الديموقراطية اللبنانية قابلة للحياة؟

ما نطن ان الانتخابات النيابية الآتية، وهي الثانية بعد الاستقلال الثاني، أكثر من مجرد عملية صراع داخلي بالمفهوم التقليدي على السلطة، وأكثر من مجرد اثبات اكثرية مقابل أقلية، أو توزيع حصص انتخابية، أو انتقال نفوذ نقول أكثر: ليست فقط مجرد تنافس حتى على السلطة أو على طبيعة هذا الحضور الخارجي او ذاك. قد تكون ذلك كله، لكنها هذه المرة "تجربة على حافة الهاوية". فكأن صندوق الاقتراع أمامك والهاوية وراءَك. فإما أن تقترع الهاوية، أو تقترع النجاة. وهذا يعني، ان هذه التجربة الثانية، مع كل تداخلاتها، وتشابكاتها، ووعورتها، تطرح السؤال الكبير والعمومي: هل الديموقراطية ما زالت ممكنة في لبنان وتالياً في العالم العربي، وربما في العالم الثالث؟

سيقال ان الانتخابات الماضية الاولى بعد الاستقلال الثاني، أعادت الكثير الى ملامح الصراع السياسي الذي كان مفقوداً على امتداد الوصايات المتعاقبة على لبنان: حيث اختزل هذا الصراع بالعنف، أو بسيادة الهيمنة الخارجية، او بنظام المخابرات الشقيق من دون ان ننسى (أفضال" الاشقاء الآخرين)!

القول صحيح الى حد كبير. فبعد ثورة الاستقلال ونتائج الانتخابات النيابية، وفوز السياديين بالاكثرية البرلمانية، وتشكيل حكومتين… ومن ثم انتخاب الرئيس سليمان رئيساً "توافقياً"، تحرر الشارع أولاً، وكان محرماً على الناس ومستباحاً من المخابرات، وأجهزة النظام الامني المشترك. صار الشارع حراً. ويكاد يكون الشارع اللبناني اليوم، وبرغم كل ما حصل، الشارع العربي الوحيد الحر الذي لا تتحكم به قوى هذه النظام أو ذاك.

وعندما تتحدث عن "تحرر" الشارع، نقصد الديموقراطية المباشرة، تلك التي تتيح للتوترات الاجتماعية والسياسية وحتى الطائفية ان تعبر عن ذاتها، بعيداً من لغة السلاح. وهي جزء من حرية التعبير تحت سقف الدستور والقانون. ونقصد حرية الاعلام والقول والابداع والتفكير والحركة. (فالديموقراطية تعني أساساً حرية الحركة). ونقصد الحرية في اختيار المكان للاقامة او للحركة، بعيداً من تقسيمات مذهبية أو طائفية، طيَّفت الامكنة والمياه والشجر والمدن، بحيث بات بعضها أشبه بكانتونات محظورة فيها الحركة على كل من يختلف عنها، مذهبياً أو فكرياً أو سياسياً (والكانتونية سجن طوعي لمن يختاره: أقصد مكاناً مثالياً للانتحار الجماعي السعيد)، وهل يمكن إغفال أهمية فصل السلطة القضائية عن السياسية: نقول انه، ربما، تمَّ بطريقة غير كاملة. أو جزئية، نظراً "للارث" السياسي الذي حمله معه الجهاز القضائي على امتداد الوصايات وآخرها الوصاية الشقيقة: وكلنا يذكر "العضومية" والعضاضمة الذين تحولوا "عبابسة" (شاكر العبسي)، وكلنا يذكر مآثر هذه الظاهرة القضائية المشينة، والتي لَفَّقَت ملفات، وبررت الاغتيالات، وساندت القامعين ضد المقموعين، وشرّعت السجون، والمعتقلات، في محاكمات صورية، على حيثيات سياسية. ونظن ان من انجازات المرحلة الجديدة في القضاء هي المحكمة الدولية، لكشف قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر شهداء الاستقلال، ومساهمة اللبنانيين فيها، وثباتها، برغم كل المحاولات لتشويهها أو لتضليلها، أو حتى لإلغائها! فالقضاء هو أساس العدل. والقانون عدالة: واذا استخدم القانون ضد العدالة، فهذا منتهى اليأس، لا سيما في الانظمة التوتاليتارية والدكتاتورية، حيث تتمحور السلطات كلها في قبضة الدكتاتور، أو القائد البطل أو "الاخ الاكبر" (بحسب تسمية أورويل). لا نريد هنا تعداد بعض ما تحقق في التجربة الاستقلالية الثانية على امتداد سنوات أربع؛ ولكن ما تحقق على جزئيته، ومحدوديته، كان اختباراً "تاريخياً" لمدى احتمال نجاح نظام ديموقراطي في العالم العربي؟ يعني ان التجربة الاستقلالية حاولت ان تكون أيضاً تجربة ديموقراطية بالعناصر والمكونات والظروف المتوفرة. وهذا ما لم يحدث في معظم التجارب التحريرية والاستقلالية في العالم العربي، حيث ان الذين ناضلوا من أجل التحرير والاستقلال عن الوصايات والاحتلالات الاجنبية، تحولوا، بعد هذه المهمات التاريخية الى طغاة: أي انهم لم يجمعوا بين السلطة الوطنية وبين المنحى الديموقراطي (فكان بعضهم اشنع من الاستعمار!)؛ وفصلوا بين حق شعوبهم بالاستقلال، وبين حقهم بالحرية. فكأنما استنبتوا تناقضاً جذرياً بين التحرير والحرية، بين الاستقلال والديموقراطية، بين الشعب وارادته ضمن انظمة قمعية، فاسدة، مجنونة، نهّابة، مجرمة… فكأنما باتوا "احتلالاً" "وطنياً" حلَّ محل الاحتلال الاجنبي! حتى عندنا في لبنان، لم يستطع مثلاً حزب الله، الذي قاد المقاومة الاسلامية لتحرير الارض من الاحتلال الصهيوني، من جمع المنحى التحريري والاستقلالي! فكأنهما بالنسبة إليه ظاهرتان متناقضتان. بل اكثر: اتهم، وهو الحزب التحريري، قوى الاستقلال بالعمالة والخيانة! (هذا لم يحصل في أي بلد في العالم!). اكثر: انحاز الى الوصاية الشقيقة، مضافاً إليها وصاية فارسية اخرى، بحيث صار التحرير برسم وصايتين خارجيتين، وبدل ان يكون التحرير موافاة للديموقراطية، ومعادلة قوية لها، ها هو يصير عاملاً مهدَّداً لها فكأن الاستقلال والديموقراطية والحرية خصوم التحرير وأهل التحرير! وهذا لعمري سوريالية ما بعدها سوريالية!
فهذا الجمع بين المشروع الاستقلالي والمفهوم الديموقراطي، كأنما فشل في العالم العربي، وسجل نجاحاً ناقصاً في لبنان. واذا أخذنا بالاعتبار المدى الزمني القصير لهذه التجربة والذي لا يتجاوز السنوات الاربع، نجد بعض جواب عن سبب هذا النقصان. فتهديم "الديموقراطية" قد يتم بلحظة عبر انقلاب أو سطو على السلطة، أو قمع… لكن بناءَها يستغرق زمناً طويلاً، وتراكماً وعمليات انضاج فكرية وميدانية وسياسية! فلنقل اذاً ان التجربة الاستقلالية ـ الديموقراطية في لبنان تبدو كعلامة او كمشروع قيد الانجاز (ككل الديموقراطيات في العالم)، وانها تحتاج دائماً الى ما يغذيها، وينميها ويفتحها على كل احتمالاتها! وهنا المحك: فإذا كانت دورة انتخابية فاز بها الاستقلاليون بالاكثرية غير كافية فيعني ان هذا المشروع ما زال مهدداً، وهشاً، كمفتَتح وكتحقق وكحلم. فالديموقراطية (الاستقلال) لا تطلع فقط من النظريات وإلا كانت كل الشعوب والانظمة ديموقراطية لمجرد التفكير أو التمني أو الطموح. انها مفاهيم وأفكار وأيضاً تجارب. بحيث ان الواقع كاحتمال هو احتمال استنبات لها أو تنمية، أو استلهام. ونظن ان هذه التجربة الاستقلالية ـ الديموقراطية القصيرة المدى ظاهرة فريدة في العالم العربي. (لا استقلال ولا ديموقراطية)، ولكن علينا التمييز بين الاستقلال والسيادة وبين التئامهما فهما غير متلازمين دائماً لا سيما لدى الشعوب الصغيرة، او الشعوب المحاطة بأنظمة وعوامل مضادة لها، بأطماعها ومسالكها التوتاليتارية، او حتى محاصرة بحاجاتها وأوضاعها الاقتصادية او مكوناتها، وخصوصاً في ما يسمى زمن العولمة، الذي ميّز بوضوح بين السيادة والاستقلال: فالاولى لم تعد شرطاً للثاني، والثاني لم يعد مستوعباً للاولى! (وهذا موضوع معقد اوسع من المتاح هنا). هذه الظاهرة اللبنانية هي جزء مما يسمى "المعجزة اللبنانية": ديموقراطية الطوائف والمذاهب، وليبرالية النواهي والمقدسات، واستقلالية مكونات مرتبط بعضها بالخارج: نتذكر هنا الاختراقات التي سجلها الاستعمار الغربي عبر الطوائف والمذاهب في لبنان منذ قرابة خمسة قرون… ونتذكر الاختراقات التي سجلها "الحضور العربي" أقصد الفاشيات اللاطئة بيافطة العروبة لانتزاع السيادة والاستقلال من لبنان، عبر تفكيك مكوناته في حروب متتالية، بحيث كاد ينتقل من مختبر للافكار والانفتاح والسلم والابداع الى مختبر للحروب والاسلحة والدمار؟ من مختبر للحرية الى مختبر للتبعية إذاً هذه الواحة وسط أنظمة عنصرية (كاسرائيل) ودكتاتورية (تعرفونها) لم يكن لها ان تكتمل بعد الاستقلال الاول (1943)، لأسباب كثيرة، أبرزها تحويلها، (عبر الاختراقات الطائفية) الى "مستنقع" يتخبط فيه كل من يشكو من تعددية "لبنان التاريخي" وحريته وديموقراطيته وازدهاره… وضعفه! وكلنا يذكر انه منذ 1969، دُشِّنَ البلد محوراً للصراعات المسلحة ابتداء بمنظمة التحرير الفلسطينية، والفصائل الاخرى، وانتهاء "بالبعثيين" السوري والعراقي، ومروراً ببعض أوروبا… من دون ان ننسى اسرائيل.

ووسط هذه الغابات من الاسلحة والموتى والجنون والخراب (دُمّرت الدولة بجيشها ومؤسساتها وحدودها ورمزيتها وفاعليتها لصالح الميليشيات)، لم يعد اي هامش لا للديموقراطية ولا للاستقلال ولا للسيادة: فالسيادة باتت لمن يسود بقوته الداخل، ومن يجيّر هذه الفئة لنفوذه وأهدافه! واذا أخذنا "السونامي" الطائفي "المصنوع" الذي عصف بالناس، نتأكد ان اي كلام عن السيادة او الديموقراطية… او حتى الوطن كان كلاماً في غير محله، وأمام ناس باتوا في الاطراف من الغيبوبة، أو من الخوف، أو قبول الامر الواقع. فالحرب التي شهدها لبنان على امتداد 15 عاماً، كانت حرباً ضد "الاستثناء" اللبناني الوليد أو قيد البروز، واجهاضاً للتجربة الديموقراطية التي تمثلت في بناء مجتمع مدني يتمتع بأدوات فاعلة، من نقابية الى حزبية، الى اجتماعية، وثقافية، واعلامية: وكان ضرب المجتمع المدني بفيروس التقسيم الطائفي والكانتونية، آخر مسمار يدق في نعش بعض ما تحقق من هوامش ديموقراطية على تراكم دام أكثر من مئة عام، بفعل الحركة النهضوية الفكرية والعروبية والمناحي الحداثية بقيمها وظواهرها وتجلياتها. إذاً تتويج الاستقلال الاول (1943)، بالمعجزة اللبنانية الحية، أصيب بشروخ تكاد تكون مميتة، وبضربات تكاد تكون قاضية، لولا سعي قلة من المثقفين والمدنيين للمحافظة على هامش ـ خميرة، لحلم بيروت المهدم؟

وخلنا للحظة، ان الديموقراطية في لبنان، وبوجود هذه الارهاط من المرتهنين، وبوجود حثالة الانظمة العربية (صانعة الهزائم في بلدانها) غير قابلة للحياة. وقد تعزز هذا الشعور بسيطرة الوصاية السورية (بعد حرب عون التحريرية التي خسر فيها… وكبّد البلاد الخراب ثم فرّ بكل جبنه من أرض المعركة) على كل لبنان! وهنا بالذات، وحتى بعد الطائف، كان للدولة ان تكون مصادرة، ومؤسساتها مستباحة، وسلطاتها كلها ممسوكة… باليد البعثية والمخابرات، حيث، كما نعلم جميعاً، كانت الديموقراطية شبه معدومة، وحرية التعبير خيانة، والمطالبة بالسيادة "عمالة" لاسرائيل. واستمر هذه الانتهاكات وأشكال الفساد حتى قيام ثورة الارز، التي فجرها دم الشهيد الكبير رفيق الحريري وسائر الشهداء، وجسدتها اكثرية الشعب اللبناني، وأسقطت حكومة كرامي وفازت بالانتخابات وألفت الحكومة… وعادت لتصل بين الديموقراطية الناشئة في الاستقلال الاول (قبل الحرب)، وبين الديموقراطية الجديدة، أي جمعت بين الاستقلال والحرية، بين السيادة وبين ارساء نظام متعدد يردفه مجتمع متعدد، وكادت بيروت تكون "الفضيحة الجميلة" بتعدديتها وتألقها ورجائها وانفتاحها وديموقراطيتها الفضيحة الجميلة ازاء الانظمة الدكتاتورية السوداء المحيطة بها، ابتداء بالعدو الصهيوني ومروراً بالوصايتين الايرانية والسورية ومتعلقاتهما "اللبنانية" ووكلائهما الفقهيين وغير الفقهيين. وهنا بالذات عاد اعداء الديموقراطية والسيادة الى اعتماد الطرق ذاتها التي اعتمدوها في "الحرب السابقة" (1969 ـ 1990)، وتفكيك انجازات الاستقلال، وتبني المناحي الانقلابية المسلحة، بسلاح المقاومة الذي حرر الجنوب وارتد على الداخل، ومساعدة البؤر الامنية المدعومة من الوصايتين، وتنفيذ المخططات الدموية التقسيمية (حركة العميل السوري شاكر العبسي)، وغزو بيروت بأسلحة المقاومة مع بعض الاستتبعات الحزبية… إلخ.

كل ذلك لإفشال كل امل بالديموقراطية الشعبية، والسلم الاهلي، وتحرير القرار اللبناني، وتعطيل كل تداخل أو اندماج او تلازم بين الديموقراطية وبين السيادة، والحرية والاستقلال، أي محاولة ضرب الاستقلال الثاني الذي استنهض العروبة غير العرقية، العروبة كمنظومة قيم ومشاريع افكار مفتوحة، على حيوية التعبير وقوة الاحتضان، وسلمية الحركة، واستنهض مختلف القيم التي دمرتها الحرب. هذه الوصلة "الوعرة" بين استقلالين وديموقراطيتين: 1943، و2005، كان منطلقها فوز ثورة الارز بالانتخابات. وعليه فإن هذه التجربة الصعبة في ربط الاستقلال بالديموقراطية، ها هي مهددة من جديد، وهذه المرة بكل الاسلحة: بالاغتيالات، والانتهاكات، والرشوة، والعنف، والاثارة الطائفية… والتشكيك بالعروبة، وبالدولة، وبالنظام والكيان، وهذا ما دأبت على ممارسته بكل شجاعة ونظافة الوصايتان: "العربية" و"الفارسية"، عبر أدواتهما المعروفة.

وإذا كانت الانتخابات الماضية فاتحة لزمن سيادي وحر، صمد ازاء كل المؤامرات والاجرام والخيانة، فإن الانتخابات المقبلة ستحدد ما اذا كانت هذه الديموقراطية الشعبية السلمية قابلة للحياة عندنا… أم هي "حلم ليلة صيف"!

هذا يعود اولاً وأخيراً الى ارادة الاحرار والاستقلاليين والديموقراطيين ليحافظوا على وجودهم، وكينونتهم، وعلى وطنهم…
في الانتخابات المقبلة تكون الديموقراطية او لا تكون. ويكون لبنان (المنارة) أو لا يكون. أما الذين يتبجحون بالحرية والتحديث والمدنية، من فئات ومثقفين… وإعلاميين ثم ينحازون الى "الشموليات" المسلحة… والاستبدادية السافرة والوصايات الجامحة، فهؤلاء كمن يلحس المبرد… متلذذاًً بدمه… وبزواله!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل