حر وليس حراً
اكثر من يعرف أخطار اللعب باتفاق الطائف هم المسيحيون الذين يُعملون التفكير والعقل، لا مَن يعومون على "ديماغوجيا" بلهاء. فالأولون يدركون ان الاتفاق وضع حدا للحرب الاهلية في لبنان. وانه احتوى في بنوده على آليات تطويره الديموقراطية من ضمن المؤسسات بطريقة تمنع حدوث تصادم بين الطوائف، خصوصا انه تضمن مبدأ العمل على الغاء الطائفية السياسية الهدف الاسمى لكل لبناني يطمح الى ان يكون ذات يوم مواطنا في بلد تسوده المساواة امام القانون.
بالطبع لم يطبّق الطائف على الوجه الصحيح. وبالطبع ايضا ازدادت الطائفية تجذرا وجذرية في لبنان على مدى 15 سنة قبل ثورة الارز. ولكن الصحيح ايضا ان الوصاية التي كانت عملت وفق ما تقتضيه اساليب الاحتلالات في كل مكان، سعت الى تمزيق النسيج الوحدوي اللبناني بشتى الوسائل، ومنعت خلال سنوات طويلة المصالحات بين اللبنانيين، لمعرفتها ان التقاء اللبنانيين، ولاسيما الجناحين المسيحي والمسلم، سيعني حكما نهاية الوصاية الاحتلالية التي كانت قائمة. وهذا ما لم يكن ليرضى به النظام السوري الذي انطلق مع وصول الرئيس بشار الاسد الى السدة الرئاسية خلفا لوالده في ورشة متسارعة الخطى لتذويب الكيان، والنظام، والدولة، والمؤسسات في اطار النظام الامني المشترك. وكان هذا احد الاسباب الرئيسية التي دفعت الاسد ومحيطه الى اتخاذ القرار الكبير باغتيال الرئيس رفيق الحريري حجر العثرة الاول في وجه استكمال هضم لبنان. وقد ادرك الحريري منذ عام 2000 ان الوقت قد حان لتصحيح ميزان العلاقات بين لبنان وسوريا، تمهيدا لخروج الجيش السوري وقيام علاقات سوية بين البلدين تقوم على مبدأ ان لبنان الحر المستقل هو اكبر ضامن لمصالح سوريا (بصرف النظر عن النظام الحاكم فيها)، فيما لبنان الخاضع لوصاية تجمعت فيها كل خصائص الاحتلالات سيظل نصفه معاديا لها، ونصفه الآخر متبرما منها ومستعدا للثورة عليها.
بالطبع لم يفهم الاسد الابن المأخوذ بهوس القاء المحاضرات المملة على المنابر وفي القمم الحقيقة اللبنانية التي تفيد ان الانقسامات الداخلية عادة ما تكون المعبر الى احتلالات الجوار، لكنها سرعان ما تتحول اذا ما تهيأت لها الظروف وحدة وإن موقتة تؤدي الى رمي الاحتلالات خارجا، على النحو الذي حصل عام 2005.
لماذا نقول هذا؟ فقط لنؤكد ان الانجاز الاساس لـ"ثورة الارز"، وعلى رغم ظاهرة "حزب الله" المضرة بالكيان باعتبار انها قبضت على طائفة في شكل شبه كامل لتدفعها في اتجاهات اقليمية منتجة للحروب في الخارج والداخل على حد سواء… هذا الانجاز الاساس لم يسقط ولن يسقط ما دامت الفئة الاكبر من الشعب اللبناني بتنوعه مؤمنة بثورة الارز، والتي قامت بما قامت عليه، والالتزام المشترك الاسلامي – المسيحي لاتفاق الطائف الذي صُنع في جزء كبير منه في اروقة البطريركية المارونية التي ادركت باكرا خطورة البُعد الديموغرافي في لبنان والشرق. ونلمس في هذه المرحلة خطورته الكبرى من خلال واقع اختطاف طائفة كبرى والزج بها في اتون الحروب والنزاعات التي لا نهاية لها ولا قعر. فكيف يكون الامر وفي الوسط المسيحي من يحاول المقامرة بمصير الناس تارة بنبش القبور الداخلية، وطورا بالانقياد لنوبات الثأر التي تستحكم بحكام دمشق حيال اللبنانيين الذين انقذوا بلادهم من الوصاية والاحتلال.
النائب ميشال عون حر في مصالحة حكام دمشق قبل ان يعيدوا مئات المعتقلين والمختطفين، وقبل ان تُبرّأ ساحتهم (ولن تبرّأ) في جرائم الاغتيال الارهابية من رفيق الحريري الى وسام عيد. وهو حر في الانقياد لسياساتهم وخياراتهم… وانتخاباتهم اللبنانية. وهو حر ايضا في ملاقاة الاسد الابن في "عقدة" فقدان لبنان التي يأبى ان يشفى منها. وهو ايضا وايضا حر في ان "يتلفلف" ويتدفأ بكل عباءات حمص، وحماه، ودير الزور، والحسكة، وحلب، ودمشق… انما المس بالطائف بهذه الخفة فأمر لا يملك عون قراره، ولا مداه الشعبي المسيحي الذي لن يعطيه مثالثة انتحارية، قربانا على مذبح رئاسة امتنعت عنه ولا تزال وستبقى.