طرح امين الجميل… مأسسة لحوار جدّي
لم أكن حاضراَ في ذكرى تأسيس حزب الكتائب اللبنانية واستشهاد الوزير بيار الجميل ولم استمع يومها إلى خطاب الرئيس الجميل، انما ما دفعني إلى قراﺀة هذا الخطاب هي الردود والتصريحات والخطابات الانتقادية التي صدرت عن البعض مستهدفة بعض الطروحات في خطابه في ذكرى أليمة ذكرى اغتيال نجله "عريس الشباب" بيار الجميل.
المشكلة في لبنان هي ان أي فريق يقدم رؤيته او طرحه او نظرته حول موضوع خلافي بين اللبنانيين وهي كثيرة، يهاجم من قبل الفريق الآخر قبل ان يجفّ حبر الخطاب المطروح للبحث والنقاش، تطلق في حقه النعوت ويعاد فتح ملفات الماضي الأليم وتقوم "فرق الشتيمة" بعزف نشيد واحد فحواه التهديد والوعيد والتخوين. لقد أصبح معروفاً عند الناس ان بعض السياسيين لديهم "مشكلة في الألوان"، ويفضلون التعامل "بالأسود والأبيض"، فإذا قالت الموالاة "ابيض"، تقول المعارضة "اسود"، والعكس صحيح، حيث لم نتوصل في لبنان بعد إلى قناعة بأننا جميعاً مسؤولون عن هذا الوطن ولا احد يستطيع التفرد بحكمه وانه وطننا جميعاً وعلينا كلنا خدمته وعلينا جميعاَ التضحية في سبيل إعادته إلى الخريطة السياسية مثلما علينا جميعاً الاستفادة من عودته كياناً مستقراً آمناً ومزدهراً لأبنائه.
وهنا لا بد لي من سؤال: هل قرأ أحد ممن هاجم الخطاب وخوّن الرئيس امين الجميل وأعاد نبش الماضي الخطاب في عمقه وأبعاده؟
انني أقول ذلك بعد ان سمعت ما سمعت من ردود وانتقادات عليه مؤكداً ان احداً لم يقرأه في العمق او كما يجب قراﺀته، وان أياً من الذين انتقدوه لم يفكك رموزه وشيفرته، لأن الرئيس الجميل عندما قال ان النظام معطل والميثاق مطعون به كان يضع اصبعه على الجرح، إلاّ انه لم يطلق كلاماً في، الهواﺀ بل أردف بالقول تعالوا جميعاً لنقرر معاً ماذا نريد؟
فهل من جريمة ارتكبها الرئيس الجميل عندما طلب الولاﺀ للبنان؟
وهل اساﺀ إلى شركائه في الوطن عندما طلب من الجميع فك الارتباط بالخارج؟ أم هل فعل معصية لا تغتفر عندما دعا إلى احترام سلطة الدولة وتقويتها ودعم الجيش اللبناني؟
أم أن الرئيس الجميل عندما طلب من شريكه في الوطن التفاهم حول رؤية مستقبلية للبنان تحفظ الكيان والإنسان يكون كافراً، وعلى من هم في الخط السياسي الآخر رجمه؟
كلنا يتفهم وضع الأقليات في الشرق وفي لبنان، وخطاب الرئيس الجميل يعبر عن تخوف شريحة كبيرة من المسيحيين في لبنان وهي اقلية في هذا الشرق على مستقبلها في ظل المد الإقليمي وعلى خلفية الاستقواﺀ به وكذلك في ظل صعود موجة التطرف والاصولية الخطيرة التي يشهدها العالم عموماً والمنطقة العربية خصوصاً، فبدل ان يطمئنك الشريك الآخر ويمحو الظنون لديك، تراه يرد بعصبية الطوائف ويفتح ملفات طواها الزمن، ويعيدنا بالذاكرة إلى أيام غلب فيها التطرف على التوازن، والتهور على التعقل، حيث أصبحت الكلمة شهيدة على مذبح الحرب إما برصاصة أو بشظية، او من خلال الذبح على الهوية!
هل علينا كشركاﺀ في الوطن ان نعيد هذا التاريخ الأليم، أم علينا الاتحاد حول رؤية واحدة نبني لبناننا على أسسها الصلبة، حيث لا تهزه رياح غربية أو شرقية؟
نعم، قسم كبير من اللبنانيين متخوف من شريك لهم في الوطن يحمل سلاحاً واستعمله في لحظة ما في الداخل، ومتخوف ايضاً من "السلاح الفلسطيني" خارج وداخل المخيمات وغيرها من الامور، فهل ممنوع عليه ان يقول انني متخوف؟
أم هل ممنوع ان يقول انني ادعوك ايها الشريك في الوطن لحوار حقيقي وجدّي لأطمئن على مستقبلي ومستقبل اولادي ولأعرف أي لبنان نريد.
فلنكن صادقين مع انفسنا ولو لمرة واحدة ولنقول الامور كما هي ان التلميح بالفدرالية ما هي الاّ نتيجة عدم تقبل الآخر منطق الدولة الواحدة، ونتيجة الاستقواﺀ بالسلاح وبالخارج على حساب الشريك في الوطن.
وهنا يحق لنا ان نسأل: كيف نطمئن المسيحيين الذين يرون أنهم أصبحوا خارج الدولة وخارج المؤسسات بسبب السيطرة الطائفية على التعيينات وتهميش المسيحيين في مرافق الدولة؟ وإذا كانت الثقة هي المفقودة بين الأطراف اللبنانيين فعلى الجميع إعادة بنائها، وإعادة البناﺀ لا تكون بالتخوين تارة وبالاتهامات تارة اخرى، وبتوزيع شهادات بالوطنية بعضنا لبعض انما بالحوار الجدي والحقيقي وتفهم الواحد للآخر. طرح الرئيس الجميل يجب مناقشته بحرفيته، والبحث بين سطوره عن قواسم مشتركة كثيرة تصلح لأن تكون البداية لإطلاق حوار حقيقي وجدّي، لنتمكن كلبنانيين من خلق أرضية صالحة لبناﺀ وطن يكون لنا ولأولادنا ولأحفادنا، مسلمين ومسيحيين.
