استخراج أكثرية سياسية من الأكثرية الشعبية له شروطه
المناصفة بوصفها رؤية إصلاحية شاملة
الأكثرية الشعبيّة من اللبنانيين، من كل المذاهب والطوائف دون استثناء، تريد السلم. السلم في بعده الأهلي كما في بعده الإقليميّ.
الأكثرية الشعبيّة من اللبنانيين تدركُ، وتفصحُ، بأنه لو قدّر للبلد أن يحصّن مكسب الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من الجنوب في أيّار 2000 بتكريس لاتفاق الهدنة لكان البلد في حال أفضل بكثير اليوم، وعلى كافة الصعد.
الأكثرية الشعبيّة لا تريدُ أن يكون لبنان "الساحة المتبقية" في الصراع الإقليميّ أو "الساحة المنفعلة" الصالحة حصراً لـ"تصفية الحسابات". الأكثرية الشعبيّة تتجاوز بأشواط مقولات "إن لبنان آخر من يوقّع". هي تفلت من إشكالية "يوقّّع أو لا يوقّّع". تريد أن يكون للبنان ما للآخرين في دنيا العرب من حقوق. يفاوضون، يفاوض. يتوسّطون طرفاً ثالثاً، يتوسّط طرفاً ثالثاً.
الأكثرية الشعبيّة من اللبنانيّين متضامنة في الوقت نفسه مع الشعب الفلسطيني في مواجهة ما يعانيه من ظلم ومن فرقة على حدّ سواء، ولا تحب من يزايد على هذا الشعب الفلسطيني مثلما لا يحبّ هو، حين تتاح له الفرصة للتعبير عن ذلك، من يزايد عليه أو "يختلس" من قضيته أو يصادرها جملة.
مثل الآخرين
والأكثرية الشعبيّة من اللبنانيّين تتندّر أحياناً بالسؤال الشائع عن السبب الذي يجعل سوريا تمتدح النهج "المقاوم" في لبنان وتلتزم النهج "المهادن" في منطقة الجولان. طبعاً ليس يحضر هكذا سؤال إلا في معرض جدال. ليس في نيّة أحد من اللبنانيين الذين يشكّلون الأكثرية الشعبيّة الساحقة "تحريض" أحد من السوريين على "تسخين" جبهة باردة للغاية منذ دهر. السؤال يتجاوز مجرّد المقابلة أو المقارنة. إنه يكشف عن العصب المحرّك للأكثرية الشعبيّة في لبنان: من حقّنا أن نكون مثل الآخرين.
يضاف إلى ذلك أن الأكثرية الشعبيّة من اللبنانيّين، من كل المذاهب والطوائف بدون استثناء، تشجب فترة "الوصاية السوريّة" على لبنان. صحيح أن الشجب قوي عند البعض وضعيف عند البعض الآخر، لكن أحداً ليس بمستطاعه أن يبدّل من إجماع شامل أظهرته عامية 14 آذار 2005: التاريخ اللبناني حكم على مرحلة "الوصاية السوريّة" بأنها كانت فترة عصيبة كئيبة بمجملها.
وقد تنقسم الأكثرية الشعبيّة درجات بين من ينتظر المحكمة الدولية على أنها ستكون "حاسمة" لجهة ردع "الثورة المضادة السوريّة ضد الأرز"، وبين من يعتبر أنها ستكون أكثر من مساعدة لإعادة التألّق والزخم لثورة الأرز عشية الانتخابات، وبين من يعتبر أنّ آليتها متباطئة قياساً إلى حراك الأزمة الداخلية. لكن الإجماع المحقّق في 14 آذار 2005 حول المحكمة الدوليّة هو من النوع الذي لا يفسح المجال لأي فرد شارك في الصورة الإجمالية للحدث الجماهيري يومها لينسحب منها ويسحب معه إسهامه الإجماعيّ ذاك.
الأكثرية الشعبية بكت كل شهيد من شهداء ثورة الأرز، ووجّهت يقينها الإتهامي منذ اللحظة الأولى إلى النظام السوريّ. حفنة ضئيلة تخلّت عن يقينها الإتهامي هذا في ما بعد.
بالمجمل فإن الأكثرية الشعبيّة من كل المذاهب والطوائف هي أقرب لطروحات "قوى 14 آذار" من طروحات "8 آذار". بيد أن السؤال يبقى: كيف السبيل لـ"استخراج" أكثرية سياسية واضحة من هذه الأكثرية الشعبية العارمة.
الحقّ في الهدنة والتفاوض
يكون ذلك أوّلاً بتعيين دائرة "الغموض" في خطاب 8 آذار ومواجهة هذه الدائرة بـ"الوضوح" في خطاب 14 آذار.
دائرة "الغموض" في خطاب 8 آذار تتصل بالصراع العربي الإسرائيلي. تحالف 8 آذار يوالي نظاماً إيرانياً يتوعّد رئيسه دولة إسرائيل بالتهلكة بين الفينة والفينة، ونظاماً سورياً تتفاخر إسرائيل بأنها تدخّلت أكثر من مرّة في السنوات الأخيرة لحمايته، والتي تتفق معه على مبدأ "التفاوض من أجل التفاوض". وتحالف 8 آذار يضمّ داخلياً "حزب الله" صاحب الدور الأكبر في التسريع بالانسحاب الأحادي الإسرائيلي في أيار 2000 وفي إصابة العدوان بخيبة بالغة في حرب تمّوز 2006. هذا الحزب يريد أيديولوجياً تدمير إسرائيل، لكنّه شريك في "الممانعة التفاوضية" التي تمثّلها سوريا، وكل ما هو عليه مسخّر لذلك. أما من الجانب المسيحيّ فإن "التيار الوطنيّ الحرّ" ومهما كانت درجة تأييده مؤخّراً لسياسات حزب الله وإيران فإنه وجد ضالّته في الفكرة "الأسدية" عن السلام (التفاوض من أجل التفاوض على خلفية "التحالف الموضوعي للأقليات")، وهي فكرة مختلفة كلّياً عن مبادرة السلام العربيّة (التي كانت أفضل حالاً قبل إدخال مزايدات إميل لحّود عليها أثناء قمة بيروت).
في مواجهة دائرة "الغموض" هذه على 14 آذار أن تتحلّى بـ"الوضوح". نريد أن نكون مثل الآخرين، لنا ما لهم وعلينا ما عليهم. لهم هدنة، لنا هدنة. يتفاوضون، نصلح حال وحدتنا الداخلية.. ومن ثم نتفاوض.
البرنامج الوحيد الممكن
ومن ناحية أخرى ثمّة دائرة من "الغموض" في خطاب 14 آذار ما زالت تتعرّض لهجمات "هجومية" من خطاب 8 آذار. الموضوع يتّصل بالطائف. 8 آذار لا تقترح "المثالثة" بشكل رسمي. لا تقترح شيئاً محدّداً لكنّها "واضحة" في أنها "ما عادت تريد الطائف". تدغم 8 آذار بين قناعة شيعية بأن الطائف لا يعطي الطائفة مقدار حجمها وتضحياتها، وقناعة مسيحية بأن الطائف حجب عن الطائفة حقوقاً.
لا يكون ردّ 14 آذار ناجحاً لا انتخابياً ولا سياسياً إن توجّه للمسيحيين بالقول: أرضوا بما لكم الآن كي لا تخسروا أكثر. الناس في السياسة تفضّل دائماً أن تخسر أكثر على أن تلتزم بهكذا منطق. الرّد يكون بنقل المعركة إلى الطرف الآخر من الملعب. ثمّة توتّر مسيحي ضد اتفاق الطائف، أي نعم. وثمّة توتّر إسلامي، سنّي تارة وشيعيّ تارة، ضد المناصفة في اتفاق الطائف. الحلّ يكون بتسوية تاريخية تدخل الطائف إلى قلوب المسيحيين في مقابل تثبيت مركزية المناصفة فيه كمحور تقرأ على أساسه كافة البنود. المناصفة تعني مساواة أكثر من شكلية في توزّع المقاعد النيابية بين المسلمين والمسيحيين، وانسجاماً بين سلطة تحكيمية عليا لرئيس الجمهورية وبين سلطة تقريرية لرئيس مجلس الوزراء من ضمن السلطة الإجرائية لمجلس الوزراء مجتمعاً. المناصفة تعني أيضاً إرجاع التوازن للعلاقة بين السلطتين الإجرائية والتشريعيّة، بحيث يجري استحداث آلية يمكن على أساسها حل المجلس في حالات بعينها، التزاماً بمرتكز أساسي للنظام البرلماني غيّب عن الطائف.
مثل هذه التسوية التاريخية هي البرنامج الوحيد الممكن. إن طرحتها 14 آذار كسبت أكثرية واسعة في أي ظرف من الظروف، وإن لم تطرحها تركت الأمور للأقدار.