#adsense

ما بعد بعد انطاكية… روما!

حجم الخط

ما بعد بعد انطاكية… روما!

كانت المبالغة في الاستقبالات التي أعدها النظام السوري للجنرال ميشال عون مثيرة للشفقة، وخصوصا بعض المظاهر "العفوية" التي يتقنها النظام البعثي في دمشق، مثل نحر الخراف تحت قدميه، او جمع الحشود الشعبية في المدن والاحياء والكنائس، او إلباسه عباءات حمصية، او حتى منحه القابا مضحكة مثل "فخامة الجنرال" و"الجنرال القومي العربي"، وصولا الى دعوة احد البعثيين "العفويين" الى تنصيبه "بابا" مكان الحبر الاعظم في روما!

والآن، بعيدا من الهزل الذي يستحقه اداء الضيف، لنتحدث قليلا عن المضيف الذي انهى عملية هضم جزء من القاعدة الشعبية المسيحية اللبنانية، وان تكن هذه قد ضمرت، وستضمر اكثر كلما ابتعد عون منزلقا على النحو الحاصل اليوم في خيارات مخالفة للطبيعة. وهذا الامر يعرفه السوريون تمام المعرفة، لكنهم، وهذا دأبهم، لايهتمون لمستوى شعبية الجنرال.

ماذا أراد النظام السوري من زيارة عون؟
اولا ان يحقق تقدما على مستوى التنافس المكتوم مع ايران على قيادة الاقلية في لبنان. ففي حين تمسك طهران بـ"حزب الله" بالكامل، وتمول جماعات سوريا وتدربها، فإن التنافس على ورقة مسيحية مهمة يبرر للسوريين اغراق عون باحتفاليات تعمل على تغذية "الأنا " التي يعانيها، والتلويح له بورقة التحالفات و"الودائع" التي يدرك عون انه من دونها او معها في المناطق المسيحية سيمنى بخسارة كبيرة. وفي كل الاحــوال ثمـــة تنافس حقيقي بين الايرانيين والسوريين في لبنان لا يخفّفه ترحيب "التقاة" في "حزب الله" بزيارة عــون الاستراتيجية التاريخية لسوريا !

ثانيا: يريد النظام في سوريا ابراز صورة للخارج ولا سيما للمجتمع الدولي الذي يطالبه بتنفيذ التزاماته حيال لبنان، ان لا مشكلة مع بلاد الارز بدليل العلاقة المستجدة مع "زعيم مسيحيي لبنان" رأى في اليوم الاول من زيارته انه قبل ان يطالب اللبنانيون النظام السوري بالاعتذار على افعاله في لبنان، على اللبنانيين انفسهم ان يعتذروا ! ثم انه في مسألة في دقة قضية ترسيم الحدود عند مزارع شبعا، يسمع الخارج الجنرال عون قائلا ان لا مشكلة في رفض النظام السوري ترسيمها وانها مسـألة توقيت، في حين يجاهد مسؤولو الدول الكبرى والامم المتحدة في اقناع سوريا بالترسيم لنقل المزارع من ولاية القرار 242 الى ولاية القرار 425، ولدفع الاسرائيليين الى الانسحاب منها تبعا لانسحابهم من لبنان عام 2000 وفق القرار 425. من هنا يكسب السوريون صوتا لبنانيا، والاهم مسيحيا، يحرف القضايا الخلافية بين لبنان وسوريا، وفي مطلق الاحوال يشن حملة دعائية تصب في مصلحتها.

ثالثا: التضييق على رئيس الجمهورية ميشال سليمان، قبل بكركي ، ومحاولة تهديد الحياد النسبي الذي يمارسه في موقعه، وتشجيع عون على المغامرة في استعدائه. ولعل المبالغة السخيفة في احتفاليات زيارة عون ترمي الى القول للرئيس سليمان ان دمشق تملك ورقة عون وإن منتفخة، يمكن توجيهها ضده في اي وقت تقتضيه مصالح النظام في لبنان.

رابعا: رسالة الرئيس بشار الاسد للبنانيين هي انه عاد من دون ان يعود. وانه يثأر من الذين اخرجوه بالطريقة المعروفة من لبنان. ومن بين ادواته رقم مسيحي مهم سيستخدمه علنا بعدما استخدمه من خلف الكواليس طوال ثلاث سنوات في مرحلة الاغتيالات والتفجيرات، وتهريب السلاح والمسلحين.

في مطلق الاحوال، غدا يعود الجنرال عون الى الواقع اللبناني، وربما لن يدرك حجم سلبيات زيارته لانه في غالب الظن سيسمع عبقريا في محيطه يدعوه الى تجاوز زعامة "انطاكيا وسائر المشرق" الى قيادة روما نفسها، ومن المؤكد ان "اناه" ستصدق ما تسمعه اذناه…

المصدر:
النهار

خبر عاجل