قارئ التقرير
أحد الذين قرأوا باهتمام شديد يفوق اهتمام سائر المعنيين بالتقرير الجديد للجنة التحقيق الدولية الاخير هو الطرف المتورط في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه شهداء ثورة الاستقلال الثاني ولا سيما الشهيد جبران تويني الذي يحيي لبنان ذكراه هذا الشهر. انه يقرأ كما لا يقرأ الآخرون. يدقق في عبارات ويهمل عبارات، ويسأل نفسه اكثر من مرة: ماذا يخبئ التقرير عندما يقول ان اللجنة "أدخلت تحسينات في اجراءاتها من اجل تأمين مناخ آمن لاي شاهد محتمل يبدو انه معرّض لخطر جسدي؟" وهل هناك مفاجأة كبرى تنطوي عليها عبارة ان عدداً من البلدان أعرب عن "استعداده للتعاون (مع اللجنة) واستقبال الشهود والمصادر السرية الذين يحتاجون الى الحماية؟" وما هي "بعض المعلومات التي تم جمعها جديرة بالثقة وقادت الى تحقيقات اضافية"؟ أليس ما يدعو الى القلق قول التقرير ان "الجزء الاكبر من نشاط اللجنة في هذه المرحلة من التحقيق يركّز على اختراق حاجز الدخان للوصول الى الحقيقة؟" ويمضي المتورط في جرائم الحريري ورفاقه قلقا متوتراً وهو يعاين عبارة ان عمل اللجنة تضمّن في الاشهر القليلة الماضية "المعاينات الجنائية وجمع المعلومات من مجموعة واسعة من المصادر وتحليلها اضافة الى 288 مقابلة". ويتصاعد القلق والتوتر عندما يكتفي التقرير بالقول: "لقد أُحرز تقدم، غير ان وصف جوانب محددة في هذا التقدم هو ايضاً كشف لهوية اشخاص ربما يملكون معلومات مهمة في سير التحقيق وتعريض حياتهم للخطر. وقد يقوّض ايضاً الفرص التي تجري متابعتها الان في التحقيق لان من شأنه ان يعلن عن الخطوات التالية للجنة".
وبما يشبه الضربة القاضية تنزل عبارة في التقرير على رأس المجرمين وفيها: "توصلت اللجنة الى معلومات جديدة قد تسمح لها بأن تربط اشخاصاً اضافيين بالشبكة التي تصرّفت بالتنسيق في ما بينها لاغتيال رفيق الحريري". وقبل ان يضع المتورطون التقرير جانباً يدركون ان حقبة جديدة قد بدأت عندما يعلن التقرير انه خلال الفترة الفاصلة عن انطلاق المحكمة في لاهاي في اول آذار المقبل "ستنقل اللجنة تدريجاً عملياتها وموظفيها وموجوداتها" الى هناك من دون التذكير قبل ذلك بـ"ان المناخ الامني في لبنان والمنطقة لا يزال هشاً (…) وبينما تقترب اللجنة عن التسليم والتسلم مع المحكمة تعي تماماً الحاجة الى حماية موظفيها ومقرها وموجوداتها".
وحدها "شبكة الحريري"، كما ورد في التقرير، تعرف الحقيقة كاملة ولذا فهي الاكثر كفاية في قراءته.
والسؤال هو: بأية خلاصات انتهت اليه قراءات الشبكة؟
وهل من مفاعيل لهذه الخلاصات على مسرح الجرائم في لبنان او خارجه؟
الاجوبة آتية لا ريب فيها في سياق الاحداث التي لم تتوقف. ومن بينها الادعى الى الاستغراب ان يعلن النظام في دمشق خلال زيارة العماد ميشال عون لسوريا والتي تنتهي اليوم، في الوقت الذي صدر فيه التقرير في نيويورك انه غير معني بالمحكمة الدولية. فهل قرأ النظام في تقرير رئيس اللجنة القاضي الكندي دانيال بلمار والذي سيصبح مدعياً عاماً في المحكمة بعد اشهر، ما لم يقرأه سواه؟
قبالة هذا الاستغراب، هناك ابتسام لدى مشاهدة ابتهاج النظام السوري بالجنرال الذي تحول "فرجة" في شوارع سوريا. فعسى ان يبدد هذا الابتهاج شيئاً من قلق سوري يتعاظم في الاشهر المقبلة والذي لن تبدده كل الدمى التي هي على شاكلة دمية هذا الاسبوع.