#adsense

دمشق تحكّم أجندتها الخاصة وحدها في توظيف الأوراق المتصلة بلبنان

حجم الخط

هل الضغط الضمني على سليمان لتبديل إمساكه بالعصا من الوسط الى الطرف؟
دمشق تحكّم أجندتها الخاصة وحدها في توظيف الأوراق المتصلة بلبنان

تعيد زيارة العماد ميشال عون لسوريا الى الذاكرة مواقف من تجربتي الرئيسين السابقين للجمهورية بعد بدء زمن الطائف الياس الهراوي واميل لحود. فالرئيس الراحل الهراوي الذي ساهمت سوريا وحدها في انتخابه بعد اغتيال الرئيس رينه معوض، وكان صديقا شخصيا للرئيس الراحل حافظ الاسد، بحّ صوته، على رغم تلك الصداقة وما اثاره عهده من تداعيات مسيحية جراء تحالفه مع دمشق، وهو ينتقد السياسيين اللبنانيين بسبب زياراتهم المتواصلة لدمشق، قائلا ان طريق ضهر البيدر قد "بريت" من فرط زحف اللبنانيين الى العاصمة السورية. وكان يقول ذلك علنا على طريقة "احكي للجارة لكي تسمع الكنة"، لعلّ المسؤولين السوريين يخففون وطأة تدخلهم في لبنان عبر الافرقاء اللبنانيين ويتعاملون مع رئيس الدولة، ولا يحاولون "القوطبة" او الالتفاف عليه.

وكان الرئيس الهراوي يعلم ان السوريين يمارسون هذه السياسة ليضاعفوا حاجته اليهم، فينكفئ الآخرون عنه ويتركوه يقوم بمهمات الرئاسة. وهو اشتكى مرارا لدى السوريين من رؤساء حكومة رافقوه، وله قصص شهيرة في هذا الاطار. والمقارنة في هذا المجال تنطبق الى حد كبير على الرئيس ميشال سليمان الذي يرفع صوته تدريجيا وعلى طريقته منذ وصوله الى الرئاسة الاولى قبل اكثر من ستة اشهر وفي رحلاته الخارجية، خصوصا لإمرار رسالة واحدة الى الاقربين والابعدين من الدول الاقليمية والغربية بوجوب التعامل مع الدولة اللبنانية في الدرجة الاولى، وخصوصا انه بات هناك رئيس جديد للدولة يدّعي الجميع مساهمتهم في وصوله ودعمه. وكانت معلومات افادت ان سوريا تعمدت تعيين موعد اولي لزيارة عون لها ابان زيارة الرئيس سليمان لطهران، قبل ان يعترض البعض فتؤجل دمشق الموعد الى الاسبوع المنصرم تزامنا مع زيارة رئيس الجمهورية لالمانيا.

ولا تتحمل سوريا وحدها المسؤولية في هذا الاطار، بل يتحملها ايضاً العماد عون الذي لا يخفى عليه بالتأكيد توظيف زيارته في وجه رئيس الجمهورية كما في وجه خصومه، ومشاركته سوريا في هذه اللعبة ربما لأثمان يطمح الى الحصول عليها. ويرمي معارضون في التداول الاعلامي ما يصل الى رئيس الجمهورية بالذات حول احتمال قلب المعادلة بعد الانتخابات النيابية في حال فوز قوى 8 آذار، بالطعن برئاسة الرئيس سليمان بقطع النظر عن سهولة هذا الموضوع او عدمها او استخدامه للضغط على رئيس الجمهورية.

والمقارنة الاخرى تسري على الرئيس اميل لحود الذي كان يبشر اللبنانيين في المجالس الخاصة وعبر القريبين منه، متى انتقدوه ولم يدعموه في وجه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بانه سيكون على الارجح آخر الرؤساء الموارنة او المسيحيين في لبنان. ومغزى ذلك انه ما لم يكن رئيس الجمهورية المقبل يستنسخ تجربته الخاصة مع دمشق، فان الموقع لن يبقى للمسيحيين .

بطبيعة الحال، هذه المقارنة لا يمكن ان تجد اي صدى لدى الفريق المؤيد للعماد عون الذي يدرج زيارته في سياق مختلف تماما ويرفض اي ايحاءات انها ضد الرئيس سليمان او ان تكون الزيارة تفريطا بمبادئ السيادة والاستقلال، لا بل تعتبر ان كل ما يساق ضد الزيارة راهنا سيتم تسفيهه في مراحل لاحقة.

لكن أوساطا سياسية متابعة تلفت في هذا السياق الى استحالة فصل تداعيات هذه الزيارة ومضاعفاتها عن السياق العام، ولا سيما في مسألة التأثير على موقع رئاسة الجمهورية. فلو لم تطرح الزيارة في جانب اساسي منها من زاوية مسيحية، لكان يمكن الى حد ما عزل تأثيراتها عن الموقع الرئاسي. لكن ذلك لم يحصل، في وقت تزامنت فيه الزيارة مع عودة تصاعد الخلاف الحاد داخل الحكومة على ملف التنسيق مع سوريا وزيارات المسؤولين الرسميين والوزراء والمسؤولين العسكريين والأمنيين لدمشق. ولذلك لا يمكن الفريق المؤيد للعماد عون ان يحصر الزيارة في اطار خصوصيتها او قرار العماد عون التوجه الى سوريا، مع كل ما يعنيه ذلك من مضاعفات، من دون النظر الى المضاعفات الاخرى على الوضع العام في البلاد، ومن ضمنه إضعاف موقع الرئاسة في عزّ محاولاتها لتخفيف اثر التدخلات الخارجية في لبنان وحصر تعامل الدول مع المؤسسات الشرعية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية. فثمة مصلحة سورية واضحة في تقديم مسار اعادة رسم تحالفاتها مع القوى السياسية مباشرة، وتقديم هذا المسار على المسار الديبلوماسي والرسمي الآخر الذي تتأخر خطواته في شكل واضح وتخضع للمماطلة والمناورات والمساومات مع الخارج. وسوريا لا تزال تتقن لعبة توظيف الاوراق اللبنانية والتحكم في تحريكها تبعا لأجندتها الخاصة للظهور بمظهر المتفلتة من أي ضغط خارجي عليها، واعطاء الرسالة الى المجتمع الدولي ان اللبنانيين مرجعهم سوريا عبر لقاءات ثنائية مباشرة وليس عبر أي طرف دولي حتى فرنسا نفسها، وإن بلغ عداء بعض الافرقاء لها، كالعماد عون، حد اعلانه حرب تحرير عليها آنذاك.

ولذلك فان المسألة لا تتصل بقرار اي طرف او موقفه، جديدا كان ام قديما، من تحالفه او خصومته مع دمشق، بل تعود اولا واخيرا الى الوضع الذي ترى دمشق نفسها فيه قوية او ضعيفة في استعادة نفوذها في لبنان وعليه. وهو العامل الوحيد الذي تتصرف فيه حيال الملف اللبناني.
وليس غريبا والحال هذه ان تطرح تساؤلات، في ضوء زيارة عون لسوريا، عما اذا كانت دمشق تريد من الرئيس سليمان ان يبدأ بتغيير طريقة امساكه للعصا، فيمسك بها من طرفها وليس من وسطها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل